كتاب وأراء

البحرين تتعامل مع مواطنيها على طريقة «بوشلاخ».. بالتنسيق مع «أبولمعة» المصري!

عندما تصبح الوساطة القطرية جريمة في المنامة

عندما تصبح الوساطة القطرية جريمة في المنامة

آخر ابتكارات أو «فناتك» السلطات البحرينية تلفيق تهمة «التخابر مع قطر» لزعيم المعارضة المعتقل علي سلمان، الأمين العام لجمعية «الوفاق» المحلولة!
هذا القيادي البحريني المعارض، القابع في السجن حالياً، منذ احتجازه في الثامن والعشرين من ديسمبر 2014، إثر مقاطعة جمعيته الانتخابات البرلمانية، التي جرت في نوفمبر من نفس العام، لفقت له «النيابة العامة» تهمة باطلة، على خلفية الاتصالات الهـــاتفيـــة التي دارت بيــــنه وبين معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء السابق، ضمن وساطة قطرية معلومة، وليست مجهولة، تمت في شهر مارس عام 2011، بمعرفة وموافقة ومباركة السلطات البحرينية.
لقد تم بث أجزاء من تلك المكالمات بشكل موجه لتوظيفها في سياق الأزمة الخليجية الراهنة، وتوجيه الرأي العام من خلالها، عبر الادعاء أن قطر تتدخل في شؤون البحرين الداخلية!
.. وعندما أتناول بقلمي هذه القضية الملفقة، لا أزعم أنني أملك خبرات الفقيه القانوني الخليجي الشهير «أحمد يكيكي»، ولكن الزج باسم قطر بهذا الشكل الخبيث، عبر اقتطاع أجزاء من الاتصالات الهاتفية، التي تمت في شهر مارس 2011، وبثها وسط التوترات الحالية، يؤكد بالدليل القاطع، والبرهان الساطع، مواصلة استهداف الدوحة من طرف دول «التآمر الرباعي»!
كما يعد توجيه تهمة التخابر مع قطر إلى القيادي البحريني علي سلمان تنكراً للجهود والمساعي القطرية التي بذلتها الدوحة، لإنهاء الاضطرابات في البحـــرين، تعزيزاً لأمنها وحفاظاً على استقرارها.
.. وتوضيحاً لما هو واضح، أود إضافة شحنة أخرى من التوضيح، حرصاً على إضفاء المزيد من زخم الوضوح بأن الوساطة القطرية كانت تتم في وضح النهار، في إطار المساعي الحميدة التي بذلتها قطر، للوصول إلى حل سياسي مع المعارضة، يجنب البحرين إراقة الدماء، بعد انطلاق موجات الحراك الشعبي الواسع في «المملكة» شهر فبراير عام 2011.
.. ولعل ما يؤكد علم المنامة بهذه الوساطة وترحيبها بها، إجراء الاتصالات الهاتفية على شبكة الهواتف العادية في البحرين، وعدم إثارة «المملكة» لهذا الموضوع طوال الأعوام الماضية، لا سيما خلال أزمة سحب السفراء عام 2014، كقضية خلافية، شكلت ضغطاً على العلاقات القطرية ــ البحرينية حينها.
.. ولا يحتاج الأمر الثابت إلى إثبات بأن كل ما ورد في تلك المكالمات، كان يتم على مسمع «الديوان الملكي» البحريني، بموافقة رسمية من «الملك»، ومتابعة سياسية من «ولي عهده»، وتنسيق مباشر مع المملكة العربية السعودية، ممثلة بوزير خارجيتها الأمير الراحل سعود الفيصل، رحمه الله.
.. واســـتـــــنـــــــاداً إلـــى ذلـــــك، قـــــــام مـــعـــــالي الشـــــــيـــــــــخ حـــمــد بـــن جاسم بن جبر آل ثاني، بصفته وزيراً للخارجية آنذاك، بزيارة المنامة في الرابع عشر من مارس عام 2011، بصحبة نظــــــيره السعــــودي، عشــــية دخول طلائـــع قــــوات «درع الجزيرة» إلى الأراضي البحرينية.
.. وأذكر يومها أن معالي رئيس الوزراء السابق وزير الخارجية الأسبق، أدلى بتصريحات نقلتها وكالة أنباء البحرين الرسمية، أكد فيها وقوف قطر إلى جانب «المملكة الشقيقة» في مواجهة أي خطر يهدد أمنها ويقوض استقرارها.
.. والمؤسف أن يتم قلب الحقائق المتعلقة بالوساطة التي قادتها قطر مع رموز المعارضة البحرينية، وتوظيف الاتصالات التي أجرتها معهم، بمباركة من سلطات الحكم في المنامة، لتصفية الحسابات مع الدوحة، في إطار الأزمة الخليجية الراهنة!
.. ويمكن ملاحظة أن ادعاءات «التخابر مع قطر»، التي تـــحاول السلطــــات البحرينـــية إلــصـاقـــها بالمــــعارض البحــــرينـــي «علي سلمان»، هي نفس التهمة التي وجهها النظام المصري للرئيس الشرعي المعزول «محمــد مرسي»، مما يعني أن المحرض واحــــــد، وجهــــة التحريــــض ضـــد الــــدوحة واحدة، وجهة الادعاء والتلفيق موحدة!
.. وأستطيع القول إن «بوشلاخ» البحريني، تحالف مع «أبولمعة» المصري، وهما شخصيتان تشتهران بترويج الأباطيل، وإشاعة الأكاذيب، وقام أشهر كذاب، مع أكذب «فشار» بتلفيق تهمة «التخابر مع قطر»، على خلفية الاتصالات الهاتفية التي جرت مع المعارضة البحرينية عام 2011.
.. وما من شك في أن اتهام علي سلمان «بالتخابر مع قطر»، يثير الكثير من السخرية والاستهجان - ولا أقول الأحزان - في الشارع القطري، كما يسبب المزيـــد مـــن الاحتقـــان فـــي الداخل البحريني، خاصة أن التهمة الملفقة تتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، ولهذا أصبحت هذه القصة تتردد على كل لسان!
.. والمؤسف أنه لم تبق نقيصة في إطار التهمة الملفقة، لم تحاول «النيابة العامة» إلصاقها بالمعارض البحريني، الذي يحظى بشعبية جارفة في بلاده، منها التخابر مع قطر، للقيام بأعمال عدائيـــــة ضـــد البحريــن، تستهـــدف الإضرار بمــركـــزها الحربي والسياسي والاقتصادي، واستهداف مصالحها القومية»!
.. وفي إطار هذه «القفة» من الادعاءات، لم يبق سوى اتهامه بأنه «تخابر مع الدوحة» للإضرار بالمنتوج القومي من «البمبر»، وهي ثمرة تشتهر بها البحرين، دائرية بحجم «التيلة»، بداخلها مادة لزجة سكرية، تحيـــــط بنواتهــــا الداخلـــــية، مفــــيدة لعلاج قرحة المعدة، لأنها تغطي الجدار الملتهب بمادتها الصمغية، كما أنها تصلح لعلاج حالات «السعال الديكي»، التي تظهر على المصاب في شكل شهقات طويلة تشبه صيحة «الديج»!
.. وسميت «البمبرة» بهذاالاسم، لأن سقوطها من شجرتها يصدر صوتاً عند ارتطامها بالأرض، وكأنها قطعة من المفرقعات، وربما يكون ذلك هـــــو السبــــب في اتهام المعـــــارض البحــــريني بالإضرار بمركز البحرين الحربي، حيث يتم استخدام «البمبرة» كسلاح استراتيجي لرشق الأعداء!
.. وليس غريباً أيضاً اتهامه بأنه تواطأ مع الدوحة لإحداث كساد في الناتج الوطني من «صلوم اللوز» و«العنقيش»، وربما يتم اتهامه لاحقاً بإفشاء «الشفرة الملكية» الخاصة بوصفة خلطات «الآجار» البحريني!
كما لا أستبعد اتهام قطر بتخريب الصناعات الثقيلة في البحرين، من بينها صناعة «المهفة» وهي المروحة اليدوية، المصنوعة من «الخوص» الملون، والادعاء أن علي سلمان أفشى أسرار صناعة «الفخار»، الذي تشتهر به قرية «عالي»، وتسبب في الإضرار بصناعة «السلال» التي تنتجها قرية «كرباباد»!
.. ويمكن أن تخصص سلطات البحرين «جفيرا» مليئاً بالادعاءات حول تخابر المعارض البحريني مع الدوحة، من بينها سعيه لتدمير صناعة «البشتختة» التي يتم فيها حفظ الوثائق والمستندات، وقيامه بتفجير صندوق «الغتم»، ونظيره«بوحبال» الملفوف بالحبال المتينة، المرتبط بالتراث البحريني!
.. وليس مستبعداً أيضاً اتهامه مع الدوحة بالإضرار بمحصول «الرويد»، و«البربير» و«البقل» و«الطروح»!
.. عدا تواطؤ المعارض البحريني، وتورطه مع قطر في تسميم «ماي اللقاح»، وإفساد الثروة الوطنية من «المرقدوش»، و«العنزروت» و«الزموتة»، مما سيؤدي إلى كارثة كبرى في البحرين، تتمثل في صعوبة قيام سكانها بطرد الغازات!
.. وخـــــارج إطاــــــر تــلك الألغاز، ليــــس ســــراً أن قطر قادت وساطة أخوية لتسوية الأزمة السياسية في البحرين، بعلم العاهــــل البحريــني، وعنـــــدما يتـــم استــــغـــلال تلــــك الاتصالات الهاتفية، فهذا يعد توظيـــفاً رخيـــصاً، يحمــــل في طـــياته نوايا خبيثة، وأهدافاً خسيسة.
.. ولو كانت سلطات البحرين صادقة مع شعبها، بعيداً عن دبلوماسية «بوشلاخ»، واستراتيجيات «أبولمعة»، لقامت ببث ما ورد في تلك المكالمات كاملاً، دون اقتطاع أي أجزاء منها، ليعرف الجميع حقيقة ما دار فيها، وليعلم الرأي العام البحريني والخليجي والعربي أنها في حقيقتها لم تخرج عن إطار البحث عن حل سياسي للأزمة التي عصفت بالبلاد عام 2011.
.. وعندما تُضخم البحرين الاتصالات الهاتفية القطرية، التي تمت مع رموز المعارضة، وتُخرجها عن سياقها، وتزعم أن المعارض علي سلمان تخابر مع قطر، فإنها هي الخاسر الأكبر، لأنها بذلك تثير الرأي العام ضدها، وتجعلنا نسلط الأضواء الكاشفة على الزوايا المعتمة في صراعها المتواصل مع شعبها.
.. ولو لم يكن علي سلمان رجلاً وطنياً - سواء اختــــــلفنا أو اتفــــقنا مع مواقفه - لما تعاملت المنـــــامة معــــه في إطــــــار مشروعها الإصلاحي الـــــــــذي تـــم إجـــــهاضه، ولما أصـــــبح واحداً من رموز ديمقراطيتها الموؤودة، كما يظهر في الصورة التي تتـــــصدر الصفحة، والتي تظهره حاضراً في المشهد البحريني، جنباً إلى جنب مع ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة.
.. ولو كان عميلاً لدولة أجنبية، كما تدعي المنامة، أو «جاسوساً» يخابر مع قطر، لما حظي بالشعبية الجارفة في أوساط طائفته، التي أوصلته، ليصبح أميناً عاماً لجمعية «الوفاق» التي تم حلها!
.. ويكفي لدحض الادعاءات البحرينية الكاذبة، حــــول تخــــابر عــلي سلمان مع قطــر، قــــراءة تقـــرير المحـــقـــق الـــدولـــــي محمود شريف بسيوني، الذي دخل اسمه بيوت البحرينيين جميعاً، وظل حاضراً في ذاكرتهم وذكرياتهم عن الأحداث التي شهدتها «مملكتهم»، رغم رحيله عن عالمنا في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر الماضي، بمستشفى في شيكاغو عن عمر ناهز 80 عاماً.
.. وعندما أتوقف عند «تقرير بسيوني» أعتقد أنه لا أحد في البحرين وما حولها، لم يسمع عن مخرجات ذلك التقرير الأشهر في وصف الحالة البحرينية.
فهذا الخبير القانوني الدولي، ذو الأصول المصرية، الذي يحمل الجنسية الأميركية، اعتمدت عليه «الأمم المتحدة» في الكثير من ملفاتها المعقدة، لتقصي الحقائق في مناطق الصراع حول العالم.
.. وكان بسيوني قد تولى رئاسة لجنة تحقيق دولية، تم تشكيلها بتكليف من ملك البحرين، لتقصي الحقائق حول الأحداث المأساوية التي شهدتها «المملكة» في عام 2011.
.. وضمت اللجنة المذكورة أربعة أعضاء آخرين إضافة إلى رئيسها بسيوني، وهم «فيليب كيرش» الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، وكان سفيراً سابقاً لكندا، والسير «نايجل رودني» الأستاذ المحاضر في جامعة «ايسكس» البريطانية، وهو باحث في مجال حقوق الإنسان، وناشط معروف في جميع أرجاء العالم.
كما ضمت اللجنة المستشارة القانونية السابقة للأمم المتحدة «كاهنوش أرسانجاني» وهي إيرانية الجنسية، إلى جانب السيدة بدرية العوضي العميدة السابقة لكلية الحقوق في جامعة الكويت.
.. لقد أجرى محققو اللجنة المذكورة مقابلات مع (5188) شخصاً، من بينهم رموز المعارضة البحرينية، وعقدوا عشرات الاجتماعات، وانتقلوا لمعاينة العديد من المواقع التي شهدت الاضطرابات، وقاموا بزيارة عدد من السجون والمعتقلات.
.. وفي الثالث والعشرين من نوفمبر 2011 كشف بسيوني نتــــائج تقريـــره، في حفل اســــتعراضي رســــمي، دعـــــا إليه «ملك البحرين»، حضره أكثر من (600) شخص من الحكومة والبرلمان وغيرها من مؤسسات الدولة، وأعضاء السلك الدبلوماسي وممثلي المجتمع المدني.
.. وخلــص المحقق الشهــير في تقريره الأشـهر، إلـــى أن قطر قامت بوساطة لإيجاد حل للأزمة البحرينية، عبر اتصالات أجرتها مع المعارضة، بمعرفة من سلطات المنامة.
.. وتمت الإشارة إلى ذلك في الفقرة (527) من التقرير، الذي أعلن خلاله (26)، توصية، كانت بمثــــابة خـــــريطة طريق لحل الأزمة البحرينية، لو تم تنفيذها بكاملها.
.. والمؤسف أن البحرين تعاملت مع «تقرير بسيوني» الذي ضم (612) صفحة، كوثيقة تاريخية فقط، تؤرخ لمرحلة مليئة بالاضطراب الداخلي، وتجاهلت إشارة صاحب التقرير إلى الوساطة القطــــريـــة، التي تمــــت بتـــــرحيــب منـها، لإيجاد حل سياسي لأزمتها!
.. لقد كتب بسيوني في تقريره كلمة حق للتاريخ، عن المساعي التي بذلتها قطر، لتسوية الأزمة البحرينية، وعندما يشير هذا «البروفيسور» القانونـــي إلى ذلك، فهــذا يعني مصداقية كل حرف ورد في تقريره، لأنه كان علماً من أعلام الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم، ويعـــد واحـــداً من أبرز فقهاء القانون الدولي، وكان مرشحاً لنيل «جائزة نوبل» عام 1999.
.. وعلى أساس السمعة الطيبة التي يحظى بها رئيس لجنة تقصي الحقــــــــائق في أحــــــداث البحـــــرين، لا يستــــطيع أحـــــد أن يجامـــل السلطـــات البحرينـــيـــــة، أو يــــجــــادل فــــي حقيقة الوساطة القطرية، خاصة أن الخبير الـــــقانــــوني محـــــمود شــــريف بســــيوني الــــــذي يشــــار إليـــه عـــــلى أنــــه أبو القانون الجنائي الدولي المعاصر، كان يشتهر بمقولة «لا يكفي أن تكون قانونياً دولياً بارزاً، بل تقتضي نزاهتك أن تلتزم بمواد القانون، وإن أغضبت ذوي السلطة والنفوذ والمناصب العليا».
لقد أصدر بسيوني بياناً في العام الماضي، أكد فيه أن التوصيات الـ (26) الواردة في تقريره تم تنفيذ (10) منها فقط بشكل كامل، في حين أن الأخرى وعددها (16) نفذ بعضها جزئيا، مشدداً على أن اثنتين منها، ينبغي أن يشكل تنفيذها أولوية للسلطات البحرينية، وتحديداً ضرورة الإفراج عن الأشخاص المعتقلين على خلفية مواقفهم السياسية، وعلي سلمان، واحد منهم.
.. ورغم أن الخبير القانوني الراحل رسم «خريطة طريق» لخروج البحرين من أزمتها العاصفة، لكن «مملكة البمبر» أدارت ظهرها للكثير من التوصيات الواردة في التقرير الأشهر، وبدلاً من أن تسعى المنامة لحل معضلتها الداخلية بشكل جذري، ها هي اليوم تتآمر ضد الدوحة، وتتهم رموز معارضتها بالتخابر مع قطر!
.. وفي خضم هذه المؤامرة الكبرى المتمثلة في الحصار الجائر المفروض على قطر, منذ الخامس من يونيو الماضي، بمشاركة بحرينية، ليس لي سوى أن «أبكي على البمبرة، وأبكي على التينة، وأدعي على من جرح قلبي بسكينة»!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي