كتاب وأراء

التراث الشعبي .. أبعاد جمالية

يتميز كل مجتمع بتراثه وهويته التي تحدد ملامح رسوخه في الأرض وتكامله معها، وللتراث الشعبي تأثير ساعد في خلق أبعاد جمالية في الفنون الإنسانية بتلون تصنيفاتها في الأدب والفن والشعر والموسيقى.
فكلمة فلكلور التي تعني التراث الشعبي أصبحت كلمة تعتمدها الشعوب لتعبر عن تاريخها وتراثها وحضارتها وهويتها التي تختزن عاداتها وتقاليدها، لذلك فإن تأثيرها عميق واختيار الرمز الذي يعبّر عنها يحتاج معرفة حتى يتم استعراضها دون فصلها عن الجمالية والذوق فكثيرا ما يشار إلى الخيل والحرف العربي والصقور والخيمة والبيئة الصحراوية والسيف للتعبير عن الهوية العربية الأصيلة التي بدورها تتفرع لتعبر عن القيم التي تظهر في الفروسية والشهامة، الشجاعة والعزة، الكرم والنخوة وهي قيم ثابتة تتفرع حسب كل بيئة عربية.
كما أننا حين نقرأ كتابا أو رواية ندرك تماما أنها انعكاس لبيئتها وحين نشاهد لوحة فنية أو موسيقية نعرف من أي ثقافة انحدرت، وهذا الفعل يخلق التنوع الإنساني ويؤسس للتبادل الثقافي ويثري المعرفة سواء داخل الوطن الواحد أو بين مختلف الأوطان التي تلتقي على الفكرة والتعبير.
وقد وظف العديد من المبدعين التراث الشعبي الذي يخصهم ليفرز أعمالا متنوعة فنية وأدبية خالدة ومميزة مثل النصوص السردية التي مزجت الشعر والنثر الناهض في العصر العباسي، وتوظيف النصوص المترجمة في ذلك العصر من الفارسية والهندية مما خلقت تميزا عكس أهمية الثقافات المتمازجة وتأثيرها في تاريخنا وتراثنا وخلقها لزوايا جمال متفردة جعلتها مرجعا حضاريا.
فالفن التشكيلي بكل أصنافه يوظف في تدوين التراث كصورة ومشهد وعلامات بصرية كي ترسخ وتصير رمزا معبّرا عن الشعب والهوية والوطن كما تراءى في تجارب الفن التشكيلي المصري والعراقي والفلسطيني أو في التجارب الخليجية التي حاكت بيئتها بتراثها الزاخر بعبق الصحراء وما تحمل من قيم وتفاصيل حياة تعني الشموخ والتحدي والبناء والتراث، ما يعلي قيم الأصالة بالتقاليد والعادات والعراقة التي تغوص في عمق الأرض بكل ألوانها ومواسمها فالتيار الاستشراقي نقل تفاصيل مدن الشرق إلى العالم واكتسبت اللوحات شهرة من خلال ما رسخ من ميزات في البيئة والتراث والفلكلور الشعبي المميز وهو ما ضاعف الفضول وخلق الدهشة في التعبير التي تغيرت مراحلها ولكنها بقيت تنبش في كل خصوصيات الشعوب لتستخرج الفكرة الجمالية من عمق توحدها مع التراب.
فالتجارب الفنية التشكيلية تصنع تحديثاتها في المضمون انطلاقا من الموروث ومن علاماته المميزة ومن فكرته التي تخلق الندرة والتفرد في الفكرة والبحث عن تفاصيلها الغارقة في الموروث لذلك لم يتوقف العمل الفني عند حقبة زمنية واحدة بل تطور وتداخل مع عصره وعبر عنه وأخذ منه وطوّر وانطلق وعرف كمحتوى غارق في الزمن والتنوع الذي يعكس الإنسان، فما صنعه التراث تلقائيا يحاول التشكيلي أن يوظفه فكريا وفق رؤاه التشكيلية التي تتلون مع الأسلوب وبالتالي تخرج من أطرها الضيقة نحو العالم دون أن تفقد خصوصيتها أو تنفصل عن بيئتها.
بقلم:ريم العبيدلي

ريم العبيدلي