كتاب وأراء

تقرير «الوكالة البحرينية» حول مزاعم «السيادة والأرض» يشكل انتهاكا لقرار «المحكمة الدولية»

بيت من زجاج .. يسمونه «مملكة البحرين»

بيت من زجاج .. يسمونه «مملكة البحرين»

من قرأ التقرير الذي بثته وكالة الأنباء البحرينية الرسمية، بعنوان «السيادة والأرض في المملكة»، يدرك جيداً أن كاتب التقرير يلعب بمادة «التيزاب»، التي حتماً ستحرق أصابعه.
.. وقبل أن أشرح، بإسهاب، الملابسات، وأذكر، باستفاضة، الأسباب التي تدفعني لهذا القول، لا يحتاج الأمر إلى تأكيد، أن من يلهو بمادة «الأسيد»، المسماة «ماء النار» سيكون هذا مصيره، لأن سقوط قطرة واحدة على يده، من هذه المادة الحمضية القلوية الحارقة، سيجعله يعيش معاناة التشوه الدائم طيلة حياته.
هذا إذا لم يتم قطع الأصابع المشوهة، التي صاغت ذلك التقرير، المليء بالادعاءات والغارق في المغالطات، في حال إقدام «مملكته الزجاجية» على تنفيذ الأراجيف الواردة في تقريرها، ومن بينها مزاعمها حول ما أسماه الكاتب الكاذب «حقها في مطالبة قطر بإعادة الحقوق التي سلختها من جسم البحرين على امتداد قرن من الزمن»!
لقد زعم كاتب التقرير أن البحرين خسرت جزءا من كيانها السيادي، حين اقتطعت قطر من حدودها السيادية في بدايات القرن الماضي، وخسرت مرة أخرى جزءا من كيانها في الخمسينيات حين اقتطع منها البر الشــمالي، بقوة إسناد أجنبية، رسمت الحدود القطرية، فتوسعت شمالا على حساب حقوق البحرين الشرعية!
وتابع «كاذب التقرير» بأن المنامة اضطرت عام 1990 إلى عرض جزء مــــن كيانهــا الســـياسي للتحكـــــيم الدولي، مـــن أجـــــل المصلحة الجماعية، وقبلت بأن لا تطلب بمالها، في حين كانت قطر، في كل مرة، تطالب بما ليس لها!
.. وخلص «بوشلاخ» التقرير، إلى أن «قطر تعمدت المساس بالسيادة السياســــية والأمنــــية للبحـــــريــن، واقتطــــعت أراضي مــــنـــا، و«من حقنا استعادتها» على حد تعبيره!
.. والمؤسف أن التقرير المليء بالمغالطات يصدر من وكالة أنباء، تحمل الصفــــــة الرســـميـــة، ولهــــذا أدعو الجــــهـات المختــصة في وزارة الخارجية، وعلى رأســـــها إدارة الشؤون القانونية، لتقديم «تقرير المنامة» إلى «مجلس الأمن»، كوثيقة تدين النظام البحريني، لأن ما ورد فيه يشكل انتهاكاً لقرار «محكمة العدل الدولية»، الصادر في الــسادس عــــشر من مـــــارس عام 2001، بشأن الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين.
كما يشكل استهتاراً، ما بعده استهتار، بالقانون الدولي، واستفزازاً، ما مثله استفزاز، لعلاقات حسن الجوار، لكونه يصدر بهذه الصورة، ويرتكز على معطيـات في غــــاية الخطورة، تلحق ضرراً بمملكة البحرين نفسها أكثر من غيرها.
.. ومشكلة كاذب التقرير، أنه كتب كلاماً لا يستطيع إثباته، ولا يمكن لأحد تصديقه، ولا يقوى هو وغيره على تنفيذه، ويبدو واضحاً أن الذين أوعزوا لكاتب التقرير المدعو «بوشلاخ» لكتابة ما كذب، يريدون إشعال الأزمة الخليجية، أكثر من اشتعالها!
.. ويكفي تذكير كاذب التقرير، بأن صدام حسين دفع ثمناً باهظاً، عندما ارتكز في خطابه على ادعــاءات «الحــق التاريـــخي»، في دولة الكويت الشقيقة.
.. ولطالما دفعت المنطقة ثمن المغامرات الغادرة، التي تحركها الأطماع الشخصية، لتحقيق نفوذ مشبع بروح النرجسية، التي تغمر أصحابها فجأة، وتغرقهم في بحرها!
.. ويخطئ كاتب التقرير وأصحابه ، إذا تصور واهماً أنه يمكن لبلاده أن تتعامل مع قطر على طريقة الأنظمة الأخطبوطية أو الاسفنجية، التي تملك القدرة على التمدد، أو امتصاص حقوق غيرها.
.. وما دام أصحاب التقرير، الذي بثته وكالة الأنباء البحرينية، مغرمين بنبش التاريــــخ، ينبـــغي تذكـــيرهم بالكــــثير مــــن المواقف التاريخية، التي تشكل تهديداً لكيانهم السياسي، حتى يعلموا أن «مملكتهم» لا تعدو أن تكون «بيتا من زجاج»!
.. وأريد تذكيرهم أن النخبة الإيــــرانية ما زالت تعتبر البحرين «محافظة» تابعة لجمهوريتهم، وهي تستند بذلك إلى أن طهران اعتبرت ذلك الكيان «المحافظة الرابعة عشرة» منذ عام 1957، وقامت بتخصيص مقعدين في البرلمان الإيراني، لما يسمى «محافظة البحرين»، وكانت إيران تدعو حتى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، إلى ضرورة القيام بعملية استفتاء لتقرير مصير الشعب البحريني، وتلبية تطلعاته نحو الاستقلال!
.. وبعيداً عن الاستهبال الوارد في تقرير وكالة الأنباء البحرينية, نلاحظ أن كاذبه ــ ولا أقول كاتبه ــ يتجاهل الحكم التاريخي الصادر عن «محكمة العدل الدولية»، بشأن تسوية الخلاف الحدودي بين البحرين وقطر، وهو القرار الدولي الملزم للطرفين، وغير القابل للاستئناف، أو الاستنزاف أو الاستظراف!
لقد نسي الكاتب الكاذب، أو تناسى، الترحيب الحار الذي ساد الأوســاط البحرينــية، بعـــد صدور حكــــم المحكــــمــــة، حــيث عبــر أمير البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ــ قبل أن يصبح ملكاً ــ في خطاب بثه التليفزيون البحريني، عن ترحيبه بالقرار الدولي، مؤكــداً قبول بلاده بحكم محكمة العدل الدولية في شموليته، وهو الحكم التاريخي الذي أعلن سيادة المنامة على جزر حوار وقطعة جرادة، مقابل تأكيد سيادة الدوحة على فشت الديبل والزبارة وجزيرة جنان وحد جنان.
..وفي قطــــر اعتبـــر صاحـــب السمـــــو «الأمير الوالــــد» الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وكان وقتها يتولى مقاليد الحكم في البلاد، أن قرار المحكمة يضع الأساس لعلاقات أوثق وأرحب، لا تشوبها شائبة بين قطر والبحرين، فضلاً عن أنه يعزز أمن واستقرار دولنا الخليجية، ويسهم في تقوية مجلس التعاون.
.. وأكــــد ســـمـــوه ــ حــفظه الله ــ في خطــــابه التـــاريخـــي، أن القرار الدولي أنهى الخلاف القائم بين الدولتين، فأصبح جزءا من التاريخ وراء ظهورنا، داعياً إلى بدء صفحة جديدة يشارك فيها الشعبان الشقيقان في تعميق وتنظيم علاقاتهما المستقبلية، في إطار تفاعل البلدين، لما فيه مصلحتهما وخيرهما المشترك.
لقد شكل حكم المحكمة حدثاً تاريخياً في المنطقة، وإنجازاً يحسب لقيادتي البلدين، وتغليباً لمنطق القانون الدولي، ولهذا لقي ترحيباً من الدول العربية والغربية، لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها.
.. ولعل ما يميز حكم «المحكــمة الدولــــية» أنه لم يمثل ربحاً أو خسارة لطــرف دون آخر، وإنما كان انتصاراً لكلتا الدولتين، وفــــوزاً لمبـــــدأ التحكيم الــــدولي، ونصراً لمســــار الإطـار القانـــــوني، بــــوصـــفه وسيلة حضارية لتسوية النزاعات الحدودية، وهو ما تتمناه الإمارات حالياً، وتسعى جاهدة لتحقيقه، لتسوية خلافها على الجزر الثلاث مع إيران.
.. وبحكم حضوري جلسة النطق بالحكم، بشأن النزاع الحدودي بين قطر والبحرين، بمقر محكمة العدل الدولية، في مدينة لاهاي الهولندية، ضمن الوفد الإعلامي القطري، يمكنني التوقف عند الحقائق التالية، التي استند إليها قضاة المحكمة، برئاسة القاضي الفرنسي «جيلبار غيوم».
الحقيقة الأولى: أن حكام البحرين لم يمارسوا أي سلطة أو سيادة مباشرة على منطقة الزبارة، ولم تكن لهم فيها أي قوة عسكرية منذ اتفاقية عام 1868، وبالتالي لا يمكن للمحكمة أن تقبل بوجهة نظر المنامة، بأحقيتــها في تلك المنطـــقة، ويــــزاد على ذلك، الموقف البريطاني من الأحداث التي شهدتها الزبارة عام 1937، حيث أكدت بريطانيا أنه ليس للبحرين سيادة عليها.
الحقيقة الثانية:أكدت المحكمة سيادة قطر على «فشت الديبل»، الذي تغمره المياه عند حالة المد، ويظهر على السطح عند الجزر، بما في ذلك سيادتها على قاع البحر، والمياه التي تغمره، والفضاء الهوائي الفوقي الذي يشمله، مؤكدة أنه ليس هناك أي فرصة للاعتراف بحق البحرين في استخدام هذا النتوء الصخري المرتفع، لتحديد حقها في منطقة المطالبات المتداخلة بين البلدين، في تلك المنطقة الاستراتيجية، التي تقع في الشمال القطري، وتطل على حقل «غاز الشمال»، مؤكدة تمتع قطر بحقوق السيادة الإقليمية، والوظيفية على تلك المنطقة.
الحقيقة الثالثة: بـشـــــأن الســــيــــادة عـــلى «هـــيــرات» أو مغاصات اللؤلؤ التي تقع في المناطق البحريــة الشـــمالية، نظرت المحكــمة في الادعاء البحرينـــــي، وأكـــدت أن نشاطــــات الغـــوص بحــثاً عــــن اللؤلؤ انتهت منذ زمن بعيد، وأن المغاصات المذكورة كانت مشاعة، ولا يحق للبحرين فرض سيادتها عليـــها، مشـــيـــــرة إلى قـــــيام بريطانـــــيا بإبلاغ حــــاكم البحــــرين عام 1903، بأنه ليس من حقه منح تراخيص مزاولة نشاط الغوص على اللؤلؤ، في تلك المناطق الخاضعة للسيادة القطرية.
.. وعلى هذا الأساس القانوني، رفضت المحكمة ادعاء المنامة وجود مغاصات خاصة بها، أو خالصة لسيادتها، أو أنها كانت كائنة في شمال مياه الخليج، وقامت باستغلالها بصورة رئيسية، بواسطة صيادي الأسماك البحرينيين، أو «نواخذة» سفن الغوص في البحرين.
الحقيقة الرابعة: أعطت المحكمة الدولية، وهي أعلى سلطة قضائية، في إطار الأمم المتحدة، قطر، حق مرور سفنها في مياه الخليج، بين الجزر، وتحديداً بين جــــزيـــرة حـــوار، مما يعـــد منفـــذاً بحريــــاً مهـــــماً للملاحة القطرية، لا يمكن للمنامة إغلاقه في وجه الدوحة.
.. واستناداً لكل هذه الحقائق وغيرها، فقد تضمن حكم المحكمة الكثير من الجوانب الإيجابية، التي أكدت حقوقنا السيادية في إقليمنا البحري، ومناطقنا المائية، وجرفنا القاري، ومياهنا الإقليمية الشمالية، ومنطقتنا الاقتصادية الخاصة بنا، الخالصة لنا، ولأجيالنا المقبلة.
.. وحرصا على صيانة مصالح تلك الأجيال، فقد اضطرت قطر ــ اضطراراً ــ في الثامن من يوليو عام 1991، لتقديم طلبها بإقامة إجراءات قانونية، لحسم الخلاف الحدودي مع البحرين، حول السيادة على المناطق المتنازع عليها، في جزيرة حوار وفشت الديبل وقطعة جرادة وجزيرة جنان، وإعادة ترسيم الحدود البحرية الفاصلة بينها وبين المنامة.
.. واستندت قطر، في طلبها، إلى اختصاص «المحكمة الدولية» النظر في هذه القضية، التي لم تجد حلاً لها طيلة 60 عاماً من الخلاف، بمقتضى الاتفاقيتين الموقعتين في ديسمبر 1987، وديسمبر عام 1990، علماً بأن موضوع التزام واختصاص المحكمة ومجالها القانوني تم تحديده وفقاً للصيغة التي اقترحتها البحرين ذاتها على قطر، وتم إقرارها في قمة الدوحة لدول مجلس التعاون عام 1990، ويشار إليها بالصيغة البحرينية.
.. وفي الأول من يوليو عام 1994 رأت محكمة العدل الدولية أن الخطابات الرسمية المتبادلة بين ملك السعودية وأمير قطر وأمير البحرين عام 1987 بخصوص هذه القضية، إلى جانب الوثيقة التي تم توقيعها في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1990، على هامش قمة الدوحة الخليجية، التي وقعها وزراء خارجية قطر والبحرين والسعودية تعد اتفاقاً دولياً ملزماً لأطرافه، وبموجبه حددت المحكمة يوم 30 نوفمبر 1994 موعـــداً نهــــائياً لتقـــديم قطر والبحرين الملفات والوثائق المتعلقة بالخلاف الحدودي بينهما.
.. وفــــــي الخامـــس عـــشر من فـــبراير عام 1995 أصدرت المحكمة الدولية حكمها بالاختصاص في النظر والفصل في تلك القضية الحدودية، التي كانت تعتبر من أهم القضايا الخلافية في المنطقة، باعتبارها أثّرت سلبياً على مشاريعها التنموية.
لقد كان ضرورياً إحالة الخلاف الحدودي بـــــين قطر والبــــحرين إلى الجـــهـــــاز القـضــائـــي الــــتابـــــع للأمـــم المتحدة، المتــــمثل في «محــــكـــــمــة العـــــــدل الــــــدوليــــة»، لإســــــــــدال الســــتـــــار عــــــلــى نهاية ترضي الطرفين، وتـــضع حداً جذرياً، ونســــقاً نهائــــــياً، وإطــــاراً قانـــــونياً، وحلاً دولياً وديا، للخلاف الطويل بين الدولتين الشقيقتين.
.. واستمر تداول القضية في محكمة العدل الدولية تسع سنوات، فيما يعتبر أطول نزاع حدودي ورد إليها، لدرجة أن المتحدثة باسم المحكمة وصفت الخلاف القطري ــ البحريني بأنه من أكثر القضايا جدلاً، وأكثرها حجماً، من حيث عدد الوثائق التي تم تداولها، لتصدر بعدها المحكمة، حكمها النهائي في السادس عشر من مارس عام 2001، الملزم للطرفين، وغير القابل للاستئناف، حيث لا يجوز الطعن فيه، أو الاحتجاج عليه، من أي من الدولتين، وتلاه رئيسها القاضي الفرنسي «جيلبار غيـوم»، وكنت يومها حاضراً داخل المحكمة، وشاهدت كيف تبادل وفدنا القطري التهاني مع رئيس وأعضاء الوفد البــحريني الشــــقيق، بمـــشاركة «صاحب السمو» الشيخ تميم بن حمد آل ثاني, ولم يكن يومها قد تولى مناصبه الدستورية، حيث تولى ولاية العهد في الخامس من أغسطس 2003، ومقاليد الحكم أميراً للبلاد في الخامس والعشرين من شهر يونيو 2013.
.. وما من شــك في أن مكسب قطر الأكبر والأعظم والأهـم من قرار المحكمة، كان تأكيد سيادتنا على «فشت الديبل»، الذي يتميز بمقومات استراتيجية واقتصادية ضخمة، أبرزها اطلالته على حقل «غاز الشمال».
.. وبهذا الواقع أو الموقع الاستراتيجي فقد حباه الله بالكثير من الثروات الطبيعية، على امتداد المنطقة البحرية الشمالية المحيطة حوله، أو الكامنة في أعماقه.
.. وما من شك في أن كل هذا الازدهار، يفسر ــ باختصار ــ حالة الحقد ودرجة الحسد ضد قطر، التي تشتعل في نفوس أشقائنا الصـــــغار والكبــار، وخــــصوصاً بعـــدما منــحنا الله ــ عز وجل ــ ثروة الغاز الطبيعي، في حيـــــن لم يمنـحــوا ســـوى تعبئة «غراش المرقدوش»، وتصنيع «الآجار» البحريني من ثمار «البمبر»!

بقلم: أحمد علي

أحمد علي