كتاب وأراء

الفن والمحبة الإنسانية

«إنما الفن مورد الحب والنور» تستوقفنا هذه المقولة لنبحث في فكرة الفن وقدرته على التأسيس للمحبة الإنسانية.
فلا يمكن للفن أن ينفصل عن الانسان ولا عن الحواس ولا عن الفكرة لأنه عشق للجمال الذي يميز الطبيعة ومحبة للذات وللأخر داخلها فهو منفذ للحياة يساهم في خلق السعادة، فمهما كانت النفس ضائقة فإنها بالفن تسعد وبالجمال تتلون المشاعر وتلامس الإنسانية وترتقي وتنبذ العنف.
فكيف للفن ألاّ يؤسس للمحبة الإنسانية وهو لغة الشعوب بين بعضها البعض وهو النقطة التي تصلهم وتخلق التبادل السلمي بينهم فكم من مقطوعة موسيقية اخترقت الجغرافيا وعرّفت بوطن وكم من رواية عبّرت عن الإنسانية في ذات كاتبها وكم من لوحة عكست الجمال ووصلت معانيها بدقة حتى لو اختلفت اللغة المحكية فإنها بالفن لم تقف عاجزة بل تفاعلت وتخطت الحدود.
فالفن وسيلة معرفية استطاعت منذ القدم أن تكون قوام الحضارات وسمة الشعوب فمجرد أن نتأمل في العمارة والبناء والرسوم ووصولها للعالمية في الإنجاز ندرك أن الفنون تخطت الحواجز وتجاوزت الصراعات لأن صراع البقاء والقوة يفنى مهما طال زمنه وما يبقى هو الفن والثقافة فالحضارة الاغريقية أسست للفلسفة والعلم والبحث والمعرفة وفنون الخطابة والشعر والمسرح، والحضارة الفرعونية أسست للجمال والرسم والرمز والبناء، والحضارة الإسلامية وصلت للعالمية بالحرفية الزخرفية والرقش والتلوين والعمارة والخط العربي لتؤثر بجماليتها على الإنسانية وعلى الذوق بمخزون هائل من الفكر والفن والجمال.
وبالمحبة التي يخلقها الفن تتلاشى الفوارق الثقافية بين الشعوب لأنها تستفز الآخر برموزها فيقترب ويبحث ليفهم المقصد ويكشف المعنى ويغوص في عمقه، والمحبة الإنسانية لا تقف عند اللوحة أو الانجاز المعروض أو الفكرة المطروحة بل تتجاوزه نحو تحفيز كامل للبحث في تفاصيل البيئة وخصوصياتها وتدفقاتها وما يعنيه الفنان في كل عنصر موظف كما في لوحات التشكيلية المصرية إنجي أفلاطون التي نقلت صورة مصر في موقف حمّلته الكثير من الإنسانية والمحبة لما تنجز وتبتكر وتعبّر.
فالفن ليس تعبيرا عن نشاط فردي محدود بل هو انطلاق فكرة جمالية بمخزونها وعلاماتها الكثيفة مشبع بالإنسانية غارق في الهوية بجمالية الطرح والمدلول وبالتالي غير منفصل عن ذاته ليحقق هدفه المرجو دون صدامات.
إن التحوّل بفكرة الفن سواء كانت صورة أو كلمة يعني أن يعبر الممرات الضيقة نحو فضاءات أرحب ونحو عقول لها مرونة التقبل والنقد والتعبير والبحث وهو تحفيز كامل لكل عناصر المجتمع لأن الفكر الإنساني ليس مجرد هدف جامد بل نتاج بحث يشمل المجتمع والثقافة والفكر والتعبير والخصوصيات التي تميّز العراقة والتراث والهوية والقضايا التي تدور كلها في الانسان الذي ينطلق التعبير منه وينتهي إلى المجتمع ومن خلالها يتواصل مع الإنسانية ويكون مستعدا لقبولها وتحويل الاختلافات التي قد يجدها إلى شغف معرفة ورغبة تنوع وتطوير وبالتالي بناء جسور محبة لا تأثر عليه ولا تمحو جذوره.
بقلم: ريم العبيدلي

ريم العبيدلي