كتاب وأراء

اتبع حلمك يا صديقي

قبل أيام قال لي صديق عربي، من دولة يعتبر حامل جواز سفرها من المحظوظين في العالم، إذ يمكنه دخول كافة الدول العربية وبعض الأجنبية دون الحاجة إلى تأشيرة دخول أو موافقات أمنية، ويمكنه الحصول على (الفيزا) الأوروبية والأميركية بسهولة أيضا، ومع ذلك قال لي إنه يفكر بالهجرة إلى إحدى الأميركتين لأنه يخشى أن يصبح التعامل مع حاملي جنسيته يشبه التعامل مع الكثير من العرب.
فكرت بكلام الصديق، وهو بالمناسبة، خمسيني ووحيد، ليس لديه أولاد يخاف على مستقبلهم، وقلت له: بالنسبة لسورية مثلي هذا يعتبر تبطر وتنمر على النعمة، أن تفكر بالهجرة في هذه السن، من أجل الحصول على جواز سفر محترم، وأنت فعلا تملك جوازا مشابها! قال: أخشى أن نصبح نحن العرب جميعا متشابهين من حيث الوضع والقيمة، فما يحدث حولنا لا يبشر بأي مستقبل مريح، وحين أفكر بالتقاعد، أفكر بحياة هادئة وهذا غالبا لن يكون متوافرا في هذه المنطقة الكارثية من العالم.
كشف لي كلام الصديق حقيقتين مهمتين جدا، الأولى: أن قابلية الكائن البشري للحلم لا يحد منها التقدم بالعمر، الحلم حتى بشيخوخة آمنة وهادئة، الحلم بألا يشعر بالمهانة ذات يوم، لا من شيخوخته وضعفه، ولا من انتمائه وجنسيته، الحلم بأن يعيش ما تبقى من حياته وكأن الحياة أبدية، وربما كانت هذه الطريقة بالتفكير هي ما يحفظ للبشرية كينونتها وتقدمها، فتناسي الموت هو ما يحفز الحلم لدى الكائن البشري، والحلم هو ما يجعل البشرية تتقدم، فهل يحق لي أن أعتبر صديقي متنمرا لأنه مازال مصرا على الحلم، حتى لو على خلاص فردي وشخصي؟ أو ليست الأحلام الفردية والشخصية هي نواة الأحلام الجمعية التي غيرت التاريخ؟ ثم أيضا، أليس من حق أي كائن بشري الحلم بأن الكرة الأرضية هي ملك للبشرية جمعاء ويحق لأي إنسان العيش حيث يريد؟ بهذا المعنى أليس الحلم بالهجرة هو حق للبشر جميعا مهما كانت جنسياتهم وانتماءاتهم؟
الحقيقة الثانية التي كشفها لي كلام الصديق، هي أننا، نحن شعوب هذه المنطقة المنكوبة بحاضرها ومستقبلها، والتي قدمت للتاريخ البشري أرقى الحضارات وأكثرها غنى وتنوعا وإبهارا، أصبحنا في المراحل الدنيا من طبقات الحياة، ليس فقط لأن هناك رغبة بتدمير الحواضر المدنية القديمة المستمرة إلى الآن، بل أيضا، لأننا نحن أبناء هذه المنطقة، لم نعرف كيف نحب بلادنا بشكل صحيح، ولم نتفق يوما على هوية مشتركة تجعلنا محصنين نفسيا وماديا ضد أي محاولات لزلزلتنا كما يحدث الآن، نحن شعوب ضائعة بين الانتماء للهويات القومية أو الوطنية أو الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو العشائرية أو العائلية، ونتصارع بناء على هذه الهويات التي لا تكترث لا من قريب ولا من بعيد بتاريخ عريق وقديم.
هل ألوم صديقي على حلمه الشخصي بأن يحتفظ بكرامته ككائن بشري؟ يقينا سأقول له: اتبع حلمك يا صديقي.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران