كتاب وأراء

الفن تعبير عن الإنسانية

الإنسانية صفة شاملة لعدة عناصر تجمع البشر في منظومة المجتمع بتفاعل مع الماضي والحاضر والمستقبل في تقابل زمني لا يعني أفراداً مستقلين ولا جماعات منفصلة، بقدر ما يعني تعايشاً وتفاعلاً وتنوعاً وتلوناً كلاً حسب ميزته وحضوره وكيانه دون تفرقة أو انفصال بثقافة تجمع ولا تفرق، ساهم الفن في جزء كبير في بنائها فقد كان عنصراً أساسياً استطاع أن يجمع الإنسانية وأن يبني جسور التواصل بين البشر رغم اختلافاتهم العرقية والدينية والثقافية والسياسية، فالفن فتح أبواب المعرفة والإدراك أمام الناس لتتعرف الشعوب على ثقافات بعضها البعض من خلال الفلكلور والأدب والشعر والرسم والسينما والفنون المختلفة بكل مجالاتها التعبيرية.
الفن يقترن بالإنسانية لأنه كعنصر تجدد وتطور بتطورها منذ العصور القديمة إلى العصر الحديث فقد كان حاجة ملحة للإنسان للتعبير ولترجمة أحاسيسه منذ العصر القديم فرسوم الكهوف للإنسان البدائي تعكس تلك الرغبة والفنون التي ميزت الحضارات الإنسانية الفرعونية البابلية والاغريقية التي ظهر فيها فن المسرح والرسم والنحت والتعبير الجسماني كل ذلك عكس إرثاً ومخزوناً عبّر عن ذات تتوق للجمال والذوق، فالفنون ساهمت في تهذيب المواهب الإبداعية وتقريب الشعوب وعكست القيم والعادات وخلقت التعايش وأخضعت الأذواق لمفاهيم الجمالية وفق المقاييس البصرية والفكرية.
فالفن لغة الإنسانية البصرية التي تتجاوز اللغة المحكية فله أيضا قدرته على تجاوز الخلافات والتعبير عن الذوات فلوحة يمكن أن تختصر خطاباً سياسياً، وتعبر عن الإنسان ودوره وحقوقه وتكون وسيلة لنبش الفكرة في الذهن واستفزاز السؤال عند البحث، فللفن القدرة على استنطاق الذات وإنطاق الآخر مهما كان مختلفاً وبذلك تشع الفكرة جمالياً، وتهذب التواصل ذوقياً وتقرّب الإنسان حساً وإدراكاً، حيث إنه لا يمكن فصل أي إنسان عن ذاته، فإن الفن له قدراته العجيبة في التعبير عن الهوية وخلق التنوع وبناء الثقافة والسطوع بالمعرفة فعرض العمل الفني يعني تقديم كل هذا بإضافات جمالية وتحديثات فكرية تواكب مستوى الفهم.
فالفن له علاقة بالتاريخ والحضارة بالهوية والواقع بالوجود والمجتمع بكل تفاصيله الظاهرة والمعقدة، فهو يستوحي منها خياله ليلامس الإنسانية الكامنة في الذات ويحوّلها إلى حضور فعلي مجسّم يحاكي من خلاله الإنسانية جمعاء ففي تجارب التشكيليين الذين عاشوا الوقائع والأحداث السياسية والحروب أو عملوا في مجتمعات تمارس ديكتاتوريتها على العقول، ظهرت تجارب تعبيرية حاكت كل لغات العالم باختلافاتها كما بدا في تجارب تشكيلية عالمية متعددة مثل لوحة بيكاسو الشهيرة غيرنيكا التي تعرض مأساة الحرب والمعاناة أو في العمل المفاهيمي الحداثي للفنان أندرو مايرز «الحب يفوز» والتي اعتمد فيها فكرة التسامح ونبذ العنف وتجاوز الخلافات والتضحية من أجل الآخر بمحبة تتفوق على العنف، ومهما اختلف التعبير والأسلوب يبقى البحث عن السلام رغبة مشتركة عند كل فنان يضع فكرة الإنسانية كأول اهتماماته في التعبير الفني.
بقلم: ريم العبيدلي

ريم العبيدلي