كتاب وأراء

مشروع ابتلاع العالم وصهينَة القدس!

إنَّهُ من الواضح للعيان أنَّ إسرائيل وذراعها السياسية اليمنى؛ الولايات المتحدة الأميركية يحاولان إنجاح مشروع «ابتلاع العالم» من خلال فرض هيمنتهما وامبرياليتهما على أقاليم كبيرة من العالم بشتى الأشكال والصور، والنتيجة ان عالمنا العربي والإسلامي اصبح اليوم مخترقًا من قبل هذين الكيانين المهيمنين، فأصبحت بلداننا سوقًا مفتوحة للبضائع والأفكار التي تردنا من تلكمُ الدول، فحيثما ولينا وجهنا وجدنا لونًا من ألوان هذا الغزو؛ في المنتجات والأسلحة والمواد الصناعية والخبراء المستوردين، فهذه الدول تبحثُ عن الثروة والقوة وليس من صالحها أن تحقق حالة من السلام العالمي، فالهدف الأكبر هو الهيمنة والسيطرة والهدف الأعظم هو البيع من أجل الكسب.
قارئي العزيز، في خطوة سبقتها إدانات وانتقادات عربية ودولية وإسلامية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسميًا مساء الأربعاء الماضي اعتراف إدارته بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، الأمر الذي يؤكد اعتراف أميركا بـ «صُنع» حقيقتين خطيرتين وهما: الأولى، حقيقة تاريخية قائمة على أنَّ مدينة القدس المحتلة تعتبر عاصمة دينية للشعب اليهودي، والثانية باعتبار القدس مركزًا رسميًا للحكومة الإسرائيلية. وفي حقيقة الأمر لقد غادرتنا فلسطين منذ أمد بعيد، والحدث الجلل الذي مرّ منذُ أيّام ما هو إلا سيناريو بسيط جدًا من سيناريوهات «صهينة القدس وابتلاع العالم» التي تبرع في تنفيذها الإدارة الأميركية على مرّ السنين وتستطيع إسرائيل بنفوذها الكبير تفصيله وتلبيسه وفرضهُ على كافة أركان العالم. لقد بدأت القضية الفلسطينية في الحقبة التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا في الثاني من نوفمبر عام 1917، هذا التاريخ المشهور الذي جعل من قضية فلسطين؛ قضيةً متأزمة على مر السنوات والعقود، ففي ذلك اليوم وعدت الحكومة البريطانية اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، جاء ذلك الوعد في الرسالة التي زجّ بها وزير الخارجية البريطاني الأشهر على مرّ التاريخ: «جيمس بولفر» لرجل الأعمال اليهودي «روتشيلد» وأهم ما جاءَ في هذه الرسالة هو: «أنَّ حكومة صاحب الجلالة ملك بريطانيا تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين».
إنَّ هذا الوعد المشؤوم اعتبر دومًا «وعدًا ممن لا يملك لمن لا يستحق» فبريطانيا لم تملك يومًا أرض فلسطين ولا يحقُّ لها بأي شكلٍ من الأشكال التصرف في هذه الأرض، كما أنَّ فلسطين كانت في أعين الصهاينة قبل ذلك بكثير، فالحركة الصهيونية التي بدأت بمؤتمرها الذي انعقد في بازل بسويسرا في عام 1897م، والذي أسس فيه «ثيودور هرتزل» الصحفي اليهودي النمساوي المجري، المنظمة الصهيونية العالمية، ثم توالى بعدها نشاط الحركة بعد ذلك. كما أن بداية نكبة الفلسطينيين كانت على يد الأمم المتحدة؛ فقد أقرت عصبة الأمم- التي سبقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتي انهارت في الحرب العالمية الثانية- أقرت صك الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1922م، وكانت بريطانيا قد دمجت وعد بلفور في صك الانتداب، وبإقرار عصبة الأمم لصك الانتداب كانت بذلك مقرة لوعد بلفور، ثم جاء دور الأمم المتحدة التي أُنشِئت بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصدرت في 29-11-1947 م قرارا بتقسيم فلسطين إلى قسمين؛ تقام في كل منهما دولة، فيكون للفلسطينيين دولتهم، ولليهود دولتهم، مما مهد للحرب بعد ذلك وما تبعها من لجوء وتشرد واحتلال لمعظم الأرض الفلسطينية.
ورغم كل تلك البدايات التي مهدت إلى اعتراف ترامب الأخير، يبقى أنَّ الدعم الأميركي غير المحدود لليهود بشكل عام والصهيونية بشكل خاص، قبل قيام إسرائيل وبعد قيامها، كان سببًا أساسيًا في كل المعاناة التي عاناها ويعانيها الشعب الفلسطيني، فالحق ضاع والأرض فقدت والكثير من البشر قتلوا دون سبب وشردت حياتهم في بقاع الأرض، وكل ذلك بسبب استخدام العم سام كل الوسائل غير المشروعة قبل المشروعة وذلك للضغط على الدول الكبيرة والصغيرة من أجل خطب ودّ اليهود وإرضائهم، والسعي الجادّ لتحقيق أهدافهم وحمايتهم من أي مؤاخذة أدبية وإنسانية وشرعية!
يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب «القدس قضية كل مسلم»: «إنَّ إسرائيل لم تجنح للسلم يومًا، لأن هذا ضد طبيعتها وتكوينها، وكيف يجنح للسلم من قام كيانه على الدم والعنف والاغتصاب والعدوان؟ وهي تعمل اليوم جاهدة لتفريغ القدس من أهلها مسلمين ومسيحيين، لتملأها بالمستوطنين القادمين من الغرب والشرق. ومن هنا كانت مسالمة المعتدين مرفوضة دينًا وخلقًا وقانونًا وعرفًا، فلا يفل الحديد إلا الحديد، وما اغتصب بالقوة لا يرد إلا بالقوة، وفي ضوء ذلك نوصي بما يلي:
أولًا: يجب أن تعود «ثورة المساجد» التي سميت بعد ذلك «الانتفاضة»، والتي أجبرت إسرائيل على الاعتراف بمنظّمة التحرير، وساقتها إلى الجلوس معها للتفاوض، وأن تعود بأقوى مما كانت، مسنودة من جميع الفلسطينيين، سلطة وشعبًا، ومؤيدة من جميع العرب، وجميع المسلمين، وجميع الأحرار والشرفاء في العالم. ثانيًا: يجب رفض ما سُمي «التطبيع» مع إسرائيل، على كل صعيد، سياسيًا، أو اقتصاديًا، أو اجتماعيًا، أو ثقافيًا. ثالثًا: يجب إعادة «المقاطعة» الاقتصادية لإسرائيل، واستمرارها حية فعالة، وتوسيعها لتكون مقاطعة عربية إسلامية، فلا يحل لمسلم أن يبيع لها أو يشتري منها، وهذا واجب الدول الإسلامية، وواجب الأفراد المسلمين. رابعًا: يجب أن يعلو العرب والمسلمون على خلافاتهم، وينسوا معاركهم الجانبية، ويقفوا صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فالمعركة كبيرة، لا يجوز أن تشغلنا عنها النـزاعات الصغيرة. خامسًا: يجب أن نعلن بوضوح «إسلامية المعركة»، فالقدس ليست مجرد شأن فلسطيني، بل ولا مجرد شأن عربي، بل هي شأن إسلامي. ولهذا نرفض ما يردد أحيانًا من أن الفلسطينيين هم أصحاب الشأن، ولا ينبغي أن نكون ملكيين أكثر من الملك، فالقدس شأن الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها. سادسًا: يجب أن نسعى لتأسيس «هيئة إسلامية شعبية عالمية» من أجل إنقاذ القدس، فلو كان لنا خليفة مبايع من المسلمين، يجسد وحدتهم، ويقود أمتهم- كما كان عليه حال الأمة أكثر من ثلاثة عشر قرنًا- لنادى في المسلمين: أن هبّوا لتحرير الأقصى، ولاستجاب الملايين لندائه، وأقبلوا بكثافة ليواجهوا قوة إسرائيل، وأسلحة إسرائيل، ولْتقتل منهم ألوفًا أو عشرات الألوف، ولكنها لن تستطيع أن تقتل كل المجاهدين، وتواجه كل المسلمين. سابعًا: وعلى هذه الهيئة أن تنشئ «صندوق القدس» صندوقًا شعبيًا إسلاميًا عالميًا، يساهم كل المسلمين- بل كل الأحرار الشرفاء- من أقصى الأرض وأدناها، بما يقدرون عليه، والقليل على القليل كثير، وذلك لإنقاذ القدس والمسجد الأقصى، ومواجهة خطط إسرائيل الجهنمية في إقامة المستوطنات، والترحيل الصامت لأهل القدس، والحفر المتواصل تحت المسجد المبارك، والتدمير المرتقب للمسجد الأقصى».
قارئي العزيز في كل مكان، أميركا وإسرائيل سعيداء جدًا من ضربهم للصحوة الإسلامية في أرجاء العالم الإسلامي، فقد شغلهم كثيرًا «خطر»- على حدّ زعمهم؛ تنامي الأصولية الإسلامية، هم سعداء جدًا أنَّ العالم العربي منقسم بين ربيع مهترئ وخريفٍ مريض، أنَّ الخليج ينقسم ونقسم أكثر وأكثر، وأنّ المسلمين في كل مكان أصبحوا مثارًا للقلق والخوف، هكذا تمّ ويتمّ ابتلاع العالم يا سادة ولا حولَ ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم!

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي