كتاب وأراء

في غياب ثقافة الاختلاف

في تصوري أن أجواء التأزم السائدة، خليجياً، وما تعانيه المجتمعات العربية، من صراعات دموية، يذهب ضحاياها أبرياء يتساقطون كل يوم وآلاف يشردون ويهجرون ويركبون قوارب الموت أملاً في الوصول إلى الملاذ الأمن، أو يضطرون للعيش في مخيمات البؤس، مرد كل ذلك غياب ثقافة الاختلاف وماهو حاصل في المشهد السياسي العام، ما هو إلا مظاهر وتجليات عدم تقبل مجتمعاتنا لهذه الثقافة، وتعسر هضم الجسم العربي لها.
إن مجتمعاتنا، تقذف اليوم أسوأ مافي أحشائها من موروثات اجتماعية تعصيبة، قمعية، لا تتقبل الاختلاف السياسي والديني والمذهبي، ولا تستطيع مواكبة التغييرات السريعة للمد العولمي الذي اجتاح كافة الحواجز السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، كما أنها غير قادرة على التكيف مع استحقاقات الإصلاح السياسي والديني العام ومطالبه الضاغطة، هذه المواريث التعصبية، التسلطية، تم زرعها وترسيخها في بنية هذه المجتمعات، على امتداد عقود طويلة، عبر تيارات أيديولوجية إسلامية وقومية ويسارية متعددة، استأثرت بمنابر التوجيه والتربية والتعليم والتثقيف الآحادي، المناهض لثقافة الاختلاف.
يقول تعالى في محكم كتابه الكريم «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم».
يقول المفسرون: خلقهم ليختلفوا فيتنافسوا من أجل إعمار الأرض، وإثراء الحياة، والتقدم الحضاري والتطور الفكري والعلمي.
والتساؤلات المطروحة هنا: إذا كان القرآن الكريم أكد شرعية الاختلاف، والكون كله قائم على التعدد، والحياة أساسها التنوع، والاختلاف سنة إلهية ثابتة ومستمرة إلى يوم القيامة، فلماذا نضيق بالاختلاف؟، ولماذا نسعى إلى تهميش المختلف، بل وإقصائه ونبذه وكراهيته؟! لماذا لا نحاول استيعاب المختلف، وتوظيف اختلافه السياسي والمذهبي، إيجابياً، لما يثري حياتنا، ويعظم مصالحنا المتبادلة، كما تفعل المجتمعات المتقدمة، شرقاً وغرباً؟!
قديماً، نسب إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، حديث تلقته مجتمعاتنا بالقبول، هو حديث نبوءة الرسول بافتراق الأمة، والفرقة الناجية، وهو أخطر حديث رسخ الفرقة والانقسام بين المسلمين، وساهم في تغذية التعصب المذهبي والعقدي، مضمون هذا الحديث، أن اليهود افترقوا 71 فرقة، وأن النصارى افترقوا 72 فرقة، وسيفترق المسلمون 73 فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة تدخل الجنة، وهي التي عليها الرسول وصحابته.
هذا الحديث، اعتمده جمهور الفقهاءالقدامى، رغم تعارض مضامينه مع القرآن الكريم، ومع الواقع التاريخي، ومع طبيعة الحياة، بناء على تصحيحهم لأسانيده التي لا تخلو من علل. وهكذا حكم هذا الحديث، الأفق المذهبي للمسلمين، ورسخ التعصب العقدي، والإقصاء السياسي والطائفي، وغيب ثقافة الاختلاف التي امتاز بها كبار أئمتنا المتقدمين، الذين كانوا يقدرون اختلافات بعضهم بعضاً.
كان من تداعيات هذا الحديث الذي يهدم شرعية الاختلاف، أن انقسمت الأمة إلى فرق متناحرة، تدعي كل فرقة، أنها الناجية، وأن الفرق الأخرى ضالة ومنحرفة، في تناقض واضح، مع دين يؤكد أن اختلاف المذاهب رحمة واسعة! نقل عن عمر بن عبدالعزيز، رضي الله تعالى عنه، قوله (ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحداً لعاش الناس في ضيق).
يجب تأكيد أنه لا إسلام بدون مذاهب، ولا وجود لدين بغير فرق وملل، لأنه مضاد لطبائع الحياة والبشر، القائمة على الصيرورة والتغير وجدلية الشيء ونقيضه، إذ لا يمكن تصور دين صالح لكل زمان ومكان، إلا أن يتقبل الاختلافات المذهبية والسياسية المتغيرة بتغير الاحتياجات المجتمعية. لعل أصدق وأبلغ من عبر عن اختلافات أهل القبلة، أبوالحسن الأشعري، بهذا النص النفيس اختلف الناس بعد نبيهم، في أشياء كثيرة، ضلّل فيها بعضهم، وبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين وأحزاباً مشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم.
ختاماً: ما أحرى بنا نحن أبناء الخليج الواحد، أن نتمثل قيم عصرنا، لنتجاوز مواريث الماضي، ولنجعل خلافاتنا المذهبية والسياسية خلف ظهورنا، ولنحسن إدارة الاختلاف بما يصون أمننا ويعزز علاقاتنا، إن الإسلام أكبر وأرحب من أن يختزل في مذهب واحد أو تفسير واحد أو اجتهاد واحد، وإن مصالحنا الخليجية العليا، أعمق وأقوى من أن تضعفها التوترات العابرة، علينا الإقرار بشرعية الاختلاف منهجا للتعامل فيما بيننا، وأن نوظف خلافاتنا السياسية، لخدمة المصالح المشتركة.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري