كتاب وأراء

الشارع العربي الإسلامي ومركزية القضية الفلسطينية

ربما لم تحظ مدينة في العالم بقدر من الاهتمام والقداسة بالحجم الذي حظيت به مدينة القدس فقد كانت مطمح الغزاة الصليبيين والغاية التي عمل لأجلها الاستيطان الصهيوني منذ قيام دولة الكيان في المنطقة العربية، وما تشهده اليوم من محاولات متسارعة لاستكمال خطة الاستحواذ عليها وتهجير سكانها الأصليين إنما يندرج ضمن سياق عام عملت عليه الدولة الصهيونية منذ قيامها.
ومن الواضح أن ما يجري في المنطقة العربية هذه الأيام مثل حافزا لقرار دونالد ترامب حول نقل السفارة الأميركية للقدس في خطوة لم يجرؤ عليها رئيس أميركي من قبل، وهي تأتي بعد المواقف المخزية التي أبدتها أنظمة عربية كبرى تجاه القضية الفلسطينية واستعدادها للتعاطي مع ما تفعله دولة الكيان الصهيوني بوصفه صراعا ضد إرهاب إسلامي صاعد، موقف يشترك فيه الصهاينة مع نظام الانقلاب في مصر الذي يشدد الحصار على غزة مع ردود الأفعال الواهنة لأنظمة عربية طالما رفعت شعارات إسلامية القدس وهي تتواطأ واقعا مع الإجراءات الصهيونية وتتساوق معها.
ومن المعروف أن الكيان الصهيوني يشكل جزءاً أساسياً من استراتيجية حلف الأطلسي في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية في منطقة الشرق الأدنى وهو موقف يشاركها فيه بعض الأنظمة العربية التي تخشى من هبوب رياح التغيير السياسي عليها، وهو ما حول الكيان الصهيوني إلى مركز مؤثر وحاد، مضاد للسلام المجتمعي والإقليمي في المنطقـة. ومركز جذب للصراع بين الدول الـكبرى وحركات المقاومة وجماعات العنف بمختلف أصنافها بما يهـدد السلام العالمي.
وإذا نظرنا إلى الكيان الصهيوني لوجدنا بالفعل تجمعاً استيطانيا قد حقق تفوقاً عسكرياً لا يمكن إنكاره. ولكنه تفوُّق لم يحرزه بإمكانياته الذاتية وإنما بسبب الدعم العسكري الغربي. بل إن التجمُّع الصهيوني ككل لا يعتمد على موارده الطبيعية أو الإنسانية وإنما يعتمد على الدعم المستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية ويهود الغرب. وهو يحاول التمدد حاليا مستفيدا من حالة «الجزر» النسبي الذي تشهده الثورات العربية وما يصاحبها من هوس مرضي لدى بعض الأنظمة الإقليمية التي جعلت استراتيجيتها العامة محاربة ما تسميه «خطر الإسلام السياسي «الصاعد وهو أمر اقتضى منها تنسيقا معلنا أو خفيا مع الكيان الصهيوني في ظل تقاطع مصالح أنظمة الاستبداد العربي وحرصها على البقاء مع ما يسعى إليه الكيان الصهيوني ورغبته في التأسيس لمشروع «إسرائيل الكبرى» اقتصاديا والممتدة من المحيط إلى الخليج.
ويمكن رصد أهم ملامح التقاطعات أو التحالف الضمني بين بعض الأنظمة العربية والكيان الصهيوني من خلال محاولات إضعاف المقاومة الفلسطينية وحرف جهودها عن غاياتها الأساسية وهي تحرير الأرض ومحاولة تصويرها بوصفها منظمات إرهابية تمارس العنف المجاني (لاحظ محاولات ربط حركات المقاومة الفلسطينية بالإرهاب في الفيديو الذي تم عرضه أثناء ما سُمي المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب المنعقد أخيرا بالرياض).
إن ما يجري اليوم في حق القدس من محاولات صهيونية لاقتلاعها من جذورها والدعم الأميركي المعلن لها وسط صمت دولي معتاد يكشف أن محاولة استغلال حالة التردي العربي لتصفية القضية الفلسطينية تمضي وفق مخطط منهجي ضمن ما يُطلق عليه «مشروع القرن». غير أن المظاهرات الشعبية المنددة بالقرار الأميركي والمواقف الرافضة له من بعض الحكومات العربية والإسلامية مثل تونس وقطر والمغرب وتركيا وغيرها جاءت لتثبت أن القدس لازالت قضية حية فاعلة ومؤثرة في الوجدان العربي والإسلامي وليس من السهل القفز فوق الوقائع التي تؤكد أن الشارع العربي لازال يعتبر القدس وفلسطين قضيته المركزية، وأنها ستكون محور الصراع القادم الذي سيتجاوز المستوى الوطني الفلسطيني ليتخذ ميسما إقليميا ودوليا لا يمكن توقع نهاياته، وتبقى المقاومة هي الأداة المركزية لبقاء القضية الفلسطينية- وجوهرها المركزي القدس- حية في النفوس والأذهان وقادرة على تغيير الكثير من المعادلات رغم التواطؤ الذي تبديه بعض الأنظمة العربية والخذلان الذي تكتسي به مواقف السلطة الفلسطينية.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي