كتاب وأراء

اليوم العالمي لحقوق الإنسان ووضعية المواطنة الخليجية

مر اليوم العالمي لحقوق الإنسان، الذي صادف العاشر من ديسمبر، وهو يوم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 ليكون يوماً تحتفل به دول العالم بالإعلان عن صدور وثيقة عالمية بحقوق الإنسان، باعتبارها حقوقاً غير قابلة للتصرف، بحيث يحق لكل شخص أن يتمتع بها كإنسان، بغض النظرعن العرق أو اللون أو الدين أوالجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أوغيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر، وهي الوثيقة الأكثر ترجمة في العالم، بأكثر من 500 لغة.
مر هذا اليوم عَلى الخليجيين والعرب والمسلمين، وهم في شغل شاغل عنه، بأحداث وتحديات كبيرة، لقد أفجعهم قرار الرئيس الأميركي، الظالم والمتهور، بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعزمه نقل سفارة أميركا إلى القدس، فتداعوا لمواجهته.
احتفل العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان، لكنه مر على منطقتنا مرور الكرام، لم يكترث له أحد! من يأبه بحقوق الإنسان في عالم يفتقد العدل والإنصاف؟! في دولة قطر،احتفت جامعة قطر بهذه المناسبة العالمية، بإقامة المؤتمر الدولي للعلوم البينية في دراسات الخليج تداعى إليه باحثون خليجيون ودوليون، قام بتنظيمه مركز دراسات الخليج، بكلية الآداب والعلوم، شهد العديد من الأوراق المتميزة، أبرزها مداخلة الدكتورة فاطمة الحويل، عن قانون الجنسية الكويتي ومدى تأثره بذكورية واضعيه، وقانون الأحوال الشخصية الذي يتعامل مع الأسرة، انطلاقاً من كون الرجل، أصلاً، والمرأة فرعاً تابعاً، وجدت المداخلة تفاعلاً جيداً لدى الحضور والطالبات، أجادت الباحثة في تحليلها، وأتصور أن ما يصدق على المشرعين المعاصرين، يصدق على معظم الاجتهادات الفقهية القديمة والمعاصرة، ولنا أن نتساءل: جاءت الشريعة بتشريعات متقدمة على مجتمعها، لماذا لم يرتق الفقهاء في أحكامهم الفقهية في مجال الأسرة، إلى المستوى القرآني؟! انظر مثلاً: إلى تعريفهم لعقد الزواج، بأنه: عقد يتملك به الرجل بضع امرأة! أين هذه، من التعريف القرآني الذي يصف الزواج بأنه ميثاق غليظ، وأنه مودة ورحمة؟! وتأمل: تعليلهم لاستحقاق النفقة الزوجية، بأنه لأجل احتباس المرأة، وتمكين الزوج من الاستمتاع بها! وتعليلاتهم للولاية على المرأة، وما سموه ولاية الإجبار!، وحق الأولياء في تزويج الصغار، وحقهم في الكفاءة الزوجية! كلها مرجعها، أعراف وعادات وقيم اجتماعية، وإذ لا مجال للوم الفقهاء في اجتهاداتهم، فهم في النهاية، أبناء ثقافة عصرهم، ومن الصعب تغيير الذهنيات والنفوس والمفاهيم والتصورات في عصر، كانت المرأة لا تركب الفرس، ولا تقاتل العدو، ولا تأتي بالمغنم، وفِي مجتمعات تسودها قيم قبلية منتقصة من المرأة، فهي أكبر تأثيراً في النفوس والذهنيات من التعاليم القرآنية والتشريعات القانونية.
شاركت بمداخلة عن وضعية المرأة المواطنة الخليجية، وبخاصة إذا تزوجت من غير مواطن، تشريعات الجنسية الخليجية لا تساوي بين المواطن والمواطنة في حق منح الجنسية للأبناء، المواطنة محرومة من منح جنسيتها لأبنائها، وتعاني هي وأولادها، كانت مداخلتي تقوم على 4 محاور:
الأولى: أن هذه الوضعية شاذة بين تشريعات العالم كلها، ولا يوجد مسوغ مقبول أو معقول لها، إلا تعليلات واهية.
الثانية: القول، بأن الثقافة المجتمعية هي التي ترفض مساواة الأم بالأب في هذا الحق، وأن علينا الانتظار حتى يتأهل المجتمع، قول مضلل، لو انتظرت المرأة، نضج المجتمع، لطال انتظارها، ولما حصلت على أي حق من حقوقها، صحيح أن للمنابر الإعلامية والتربوية والتعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، دورها الهام، لكن التوعية الأخلاقية والتربوية، وحدها، بدون تغيير التشريعات التمييزية، غير كافية …غير التشريع يتغير المجتمع ويتأهل.
الثالثة: أن التشريعات الخليجية، تبدو متخلفة عن حركة المرأة الخليجية في مجتمعها المعاصر، وهناك فجوة حضارية وثقافية كبيرة بين تطور مشاركة المرأة الواسعة في المجتمع وتقلدها المناصب القيادية، وتخلف التشريعات عن مواكبة هذا التطور.
الرابعة: في مجتمعنا الخليجي المحكوم بقيم وتقاليد قبلية، لا مفر من تدخل القيادة السياسية المستنيرة في تحقيق التغيير الاجتماعي، وتوعية المجتمع، وتمكين المرأة من حقوقها المشروعة وإنصافها.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري