كتاب وأراء

القدس من قمة الرباط إلى قمة إسطنبول

مثل حريق المسجد الأقصى يوم 21 أغسطس 1969 دافعا أساسيا لاجتماع ممثلي الدول الإسلامية في الرباط بعد الحريق بشهر بتاريخ 25 سبتمبر 1969، والذي أسس لأكبر تجمع للدول الإسلامية من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي بتسميتها القديمة قبل أن تحمل اسمها الحالي منظمة التعاون الإسلامي.
ولأن الاجتماع الأول كان مرتبطا بفكرة حماية المقدسات الإسلامية في فلسطين والدفاع عن القدس ضد محاولات التهويد والمسخ، فإن السؤال ظل ملازما دوما حول ما قدمته هذه المنظمة للقضية المركزية للمسلمين، أعني القضية الفلسطينية.
وبعيدا عن منطق المزايدات أو لغة التهويل أحيانا أو التهوين أحيانا أخرى فإن المنظمة التي جعلت من الدفاع عن كرامة المسلمين ومقدساتهم هدفا لها ظلت تراوح مكانها وتحولت إلى جملة من الأجهزة البيروقراطية التي تراعي التناقضات السياسية بين الدول الأعضاء أكثر مما تسعى إلى تجسيم الأهداف التي قامت لأجلها وهي حماية القدس وتحريرها باعتبارها مقر المنظمة المفترض بعد تحريرها من الاحتلال.
والأسبوع الماضي عادت المنظمة للاجتماع من جديد وفي ظل خطر جديد يتهدد القدس بمزيد من التهويد في ظل قرار الرئيس الأميركي اعتماد القدس عاصمة للكيان الصهيوني. ورغم الخطابات القوية التي ألقيت في القمة، واتخاذ جملة من القرارات المتعلقة باعتبار القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، مع التأكيد على فقدان الولايات المتحدة لصفتها كوسيط نزيه في ظل انحيازها المعلن للاحتلال، فإن القمة لم تغب عنها تجاذبات الساحة العربية بخلافاتها وصراعاتها المختلفة. فقد غاب قادة دول إسلامية كانت تعتبر نفسها ذات دور محوري في القضية الفلسطينية، ولم تكتف هذه الدول بضعف الحضور بل شنت حملة إعلامية للتشكيك في أهميتها ودورها.
فرباعي منظومة الحصار المتمثل في السعودية والإمارات والبحرين ومصر بدت وكأنها أقرب للموقف الصهيوني منها إلى الموقف العربي الإسلامي العام، كما عبر عنه الضمير الشعبي من خلال المظاهرات والتحركات المنددة بالقرار الأميركي، خصوصا بعد ما شاع أن قرار الرئيس الأميركي جاء بعد تشاور مع أنظمة عربية معينة.
فالانقسام العربي الإسلامي وحالة التشظي التي تسود المنطقة العربية شجعت الطرف الأميركي على اتخاذ قراره، فهل يمكن الحديث عن منظمة تعاون إسلامي فيما يقوم بعض أعضائها بمحاصرة دولة أخرى جارة وشقيقة لها لمجرد نزوات سلطوية ودون سبب مقنع وترفض الحوار أو احترام سيادتها؟ وهل يمكن الحديث عن تضامن إسلامي في ظل القصف المتواصل لليمن والتدخل الحاصل في سوريا لحماية نظام استبدادي مهترئ؟ وأي أثر للدول الإسلامية وهي التي تعاني من عجز عن اتخاذ قرارات مناسبة لحل صراعاتها فيما بينها؟
إن المسافة الزمنية الفاصلة بين قمة الرباط وشعاراتها وبين قمة اسطنبول ونتائجها، تلخص حال الأمة الإسلامية وحالة العجز التي تردت فيها. ورغم أن هناك جملة من النقاط المضيئة التي تبدو من خلف العتمة الحالية مثل حالة الوعي الشعبي العام التي تسود المنطقة كما تجلت في احتجاجات الجماهير الواسعة ضد القرار الأميركي، والدور الفعال الذي أصبحت تلعبه تركيا في المجال الإسلامي خلافا لما كانت عليه ووجود دول إسلامية تحاول دعم الصمود الفلسطيني بكل ما تقدر عليه على نحو ما نرى في الموقف القطري الشجاع، فإن المشكل اليوم أصبح يكمن في أنظمة عربية بعينها أصبحت لا تخفي عداءها للثورات الشعبية في المنطقة العربية واستعدادها لتحميل كل مساوئ الوضع العربي لخصومها وصولا إلى ملامح تحالف محتمل مع الكيان الصهيوني على خلفية تبريرات غير مقنعة من قبيل التصدي للنفوذ الإيراني، وكأن محاصرة التمدد الذي تسعى إليه طهران يمر عبر محاصرة الدوحة والتخلي عن القدس الشريف وتفكيك عرى وحدة الموقف الإسلامي في سابقة ليس لها نظير. إن قضية القدس أهم وأعظم من أن تخضع لتجاذبات آنية وصراعات مرحلية تمس من جوهر الوحدة الإسلامية وتصب الماء في طاحونة الأعداء بشكل يعبر عن خلل سياسي يثير الاستغراب حتى لا نقول شيئا آخر.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي