كتاب وأراء

شفاه يجلدها الزمن «1»


يَخونكَ موعدك مع العسل، فتَلعن النحل..
تَضيع فرصتُكَ في الاستحمام بعطر وردة، فتَثور على الزهور..
ويُلامس كأسُك شِفاها ما عادت تَفتح أبوابَها، فيَنكسر بين أصابعك تحت وطأة كماشة قبضة يدك الخشنة خشونة يَدِ فلاح يَكفر بِدِينِ الوَرد..
بساتين الحُبّ النابضة بالجمال والسحر مَن يَسرق عِطرَها ويُهَرِّبُ رِقَّتَها بعيدا عن القلوب المتعطشة إلى كأس رحيقها الْمُعَتَّقة؟!
إنه الشاعر المقتول بالمشاعر، الشاعر المجروح بإحساسه، الشاعر المذبوح بحنينه إلى مدن النقاء قبل أن تُدَنِّسَها الأقدام النَّتِنَة وتُجَرِّدها من سجادة القداسة:
«الليل يطبق مرة أخرى فتشربه المدينة
والعابرون إلى القرارة مثل أغنية حزينة
وتفتحت كأزاهر الدفلى مصابيح الطريق
كعيون «ميدوزا» تحجر كل قلب بالضغينة
وكأنها نذر تبشر أهل بابل بالحريق» (بدر شاكر السياب، المومس العمياء).
هل هذا نفسه بدر شاكر السياب الذي عرفناه في مفترق طُرق شِعر الحُبّ مصلوبا على جدار الانتظار مَرَّة ومُعَلَّقاً مرة أخرى على عمود الذكرى؟!
إنه هو نفسه، الرقيق بدر دون سواه يَعتصر قلبه ويَستهلك عضلاته في إسماع صرخته نفورا وتقززا من واقع مريض بداء الفقر، واقع جعل المرأة تَبيع لحمَها قطعة قطعة، تَبيعه لتأكل وتتنفس..
لكن هل دوام الحال من غير المحال؟!
الروح تُكابر، غير أن شتاءَ العمر يُقَلِّبُ مواجعها على مجمر الموت البطيء بعد أن زهد بصرُها في الحياة فزهد فيها طُلابُ الحياة:
ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعين
سهاد مقلتك الضريره
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
(بدر شاكر السياب، المومس العمياء).
العمياء القذرة المجسدة لصورة الإنسان لا تختلف عن المكان الذي يصب بدر غضبَه على أهله، فلولا بطشهم وإخلالهم بتطبيق قانون توزيع الثروات بالعدل لما آل الوضعُ إلى تلك الحال..
كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
كانوا جياعا- مثلها هي أو أبيها- بائسين،
هم مثلها- وهم الرجال- ومثل آلاف البغايا
بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهين
هو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا» (بدر شاكر السياب، المومس العمياء).
الليل، هذا هو ليلهم، ليل المدينة التي يُفَصِّلُ الشاعر السياب لمومسها العمياء دورَ البطولة، هذا الليل يَنزل بثقله ليمحو ظلامُه الجاثم مملكةَ الألوان، فالليل عند السياب معادل لكل صُوَر القبح التي غَلَّفَت المشهدَ الزمكاني الذي يَجتهد السياب في رسم حدود لوحته..
«من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف
من أي وجر للذئاب؟
من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟» (بدر شاكر السياب، المومس العمياء).
جور وظلم وإجحاف وقهر وغبن وشجن ومِحن وما إلى ذلك من مستحيلات في عيون مَن يُطالبون بحقهم الطبيعي من الماء والهواء، لكن لا حياة لمن تنادي..
«موتى تخاف من النشور
قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور» (المومس العمياء، بدر شاكر السياب).
أهناك لعنة يمكن أن تَحلّ بالإنسان أكثر من هذه؟! أم شَتَّان بين قبر اليقظة الرافضة لوجودها وقبر الهلوسة والهذيان؟!
إنه الهرب من الموت إلى الموت في ظِل حُكم التعذيب القاضي بتفعيله وفق تعليمات وبرمجة من يهمهم أَمْر الدفاع عن وجهة نظرهم بتشريع الموت..
حبل الحق قصير في مدينة الظلم والظلام، والقائمون بأمر من يهمهم الأمر لا وقت لديهم لسماع صرخات المعذَّبين المعلَّقين بين الأرض والسماء..:
«يا أنت، يا أحد السكارى
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح
دفءَ الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباحْ
ودواء ما تلقاه من سأم ٍوذلٍ واكتداحْ؟
المال، شيطان المدينهْ
لم يحظَ، من هذا الرهان، بغير أجسادٍ مهينهْ» (بدر شاكر السياب، المومس العمياء).
ذاكرة الأمل ضعيفة، والمدينة في حكم الطُّغاة يشتعل إنسانها حطبا في غياب الحد الأدنى من الظروف المشجعة على الحياة الكريمة. نعم يا صديقي، إنها التربة الفاسدة التي تُعَجِّل بتكاثر الكائنات الطفيلية التي يَصنعها الفقر:
«جِيَفٌ تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
أن الطفولة فجّرَتْها ذات يومٍ بالضياء
كالجدول الثرثار- أو أن الصباح رأى خطاه
في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء
ويكاد ينكر أن شقًّا لاح من خلل الطلاء
قد كان- حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة
ثغرًا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
لأبٍ يعود بما استطاع من الهدايا في المساء
لأبٍ يقبِّل وجه طفلته النَّدِيِّ أو الجبينْ
أو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاءْ
ما كان يعلم أن ألف فمٍ كبئر دون ماءْ
ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء
حتى يجف على العظام- وأن عارًا كالوباء
يَصمُ الجباه فليس تُغسل منه إلا بالدماء» (المومس العمياء، بدر شاكر السياب).
تلك مشاهد دامية تبين إلى أي مدى تعطلَت الموازين وتَفَشَّتْ ثقافةُ عدم الاعتراف واستشرى الإفلاسُ الأخلاقي الذي أَوْدَى بشرف الضُّعفاء ليَستدرجهم إلى مستنقع الشقاء، الشقاء الذي يَقتل غريزة حُبّ البقاء..
الفقر بشع، لكن هل تُصَدِّق يا صديقي أن يَكون الفقرُ صناعة؟!
صُنَّاع الموت لا يختليفون عن صُنَّاع الفقر، ومَن يَصنعهم؟! إنهم أرباب السياسات الفاشلة التي تَأمر بقطع رأس مَن يُنادي بحقه الطبيعي والمشروع في مَلء فَمِه، لكن السياسات الضاربة في القمع المزدوج لا تَسمح بفَتح الفم..
هكذا يُوَجِّه السياب أصابعَ الاتهام إلى المنبطحين أرضا أولئك المنشغلين بِلَعْق أحذيةِ أسيادهم رغبةً في الحظوة بمنصبِ ذَيْلٍ، ذَيل السلطة الذي ينتشي راقصا كلما رماه أحدُهم بعظم يُلهيه عن اجترار ما يَتفوه به في خطاباتهم الثوّارُ..
بيد أن الأدهى والأمرّ هو أن ذَيْلَ السلطة الكاتمة للصوت هذا ذاتُه يتحول مع الوقت إلى جَلاَّد، جَلاَّد لا يتوانى عن طمس صَوْتِ الحقيقة بِسَوْطِ جهله حدّ الركوع لِمَن لا يُغني مِن جوع..
اختلفت الأسباب، لكن الموتَ واحد وكذلك العذاب:
«والموت يلهث في سؤال
باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم
من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه» (المومس العمياء، بدر شاكر السياب).
تَسقط الفضيلةُ عند رصيف الجوع، فلا تُجْدِي حينذاك الدموع. الحَقُّ يتبدَّد، والساعةُ تتمدَّد، وامرأة نكرة على شاكلة مومس السياب العمياء تتحول إلى أيقونة سينما الواقع كما لا تُكَذِّبُه عينُ الشاعر الثالثة..
إنه إحساس الشاعر بدر ذاك الذي بَعثَرَهُ مرضُ ضمور العضلات، لكن هذا لا يَنفي أن الشاعر استعرض عضلاته بما يكفي على صعيد الإحساس العالي بالمعذَّبين وعلى مستوى محاسَبَة مَن تُصَوِّر لهم عقولهم أنهم أكبر من المحاسَبة (يُتْبَع بإذن الله).
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير