كتاب وأراء

الفن والتأسيس للذوق الجمالي

لا يمكن أن ينفصل الفن عن الذوق والإحساس بالجمال لأنها عناصر مكمّلة بين بعضها البعض، تقع على مستوى الموهبة والتقنية وحرفية الممارسة الفعلية للفن.
تلك الممارسة التي تتفرد في الأسلوب لتخلق تميزا يؤسس للذوق الذي ينبع من الذات والفكرة ورموزها والتعبير عنها ومعايشة طبيعة المجتمع بمختلف تجليات التواصل فيه، لأن ذلك التفاعل بينها يخلق الذوق العام الذي يتفرع مع خصوصية كل متلقي.
فالذوق يقترن بالجمال ورؤية ذلك الجمال تختلف حسب الفهم لأنها ليست قوالب جاهزة ترى بنفس العين وتقبل بنفس الحواس أومن نفس الزاوية لأن الذوق الجمالي يخضع لمستوى الفهم ولقدرة المتلقي على قبول ذلك دون أن يخدش إحساسه سواء كقيمة أو كمبدأ أو كأخلاق وخيال.
فالفن هو الجمال المتفجر في المحتوى، وقد عرف تطورا حسب الواقع الإنساني بمختلف جوانبه الاجتماعية والسياسية وأحداثه فالمسارات الجديدة في الفنون الحديثة خلقت ثنايا أخرى للفهم والإدراك الجمالي لذلك أصبح التذوق أمرا ملحا وطرحا ضروريا لتقبل المادة الفنية وتناولها ودرسها فالمسألة تنوعت، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة عندما اقتحم الفضاء الفني فكر جديد غيّر الرؤية للجمال الفني مثل الفوضى والعبث والغموض والتجريد والترميز والسريالية وهذا حاد بمفهوم الذوق الجمالي في الأدب والفنون البصرية ما جعل مسألة التذوق ضرورة ملحّة للفن والنظرة البعيدة لزواياه تلك التي لا يشار إليها مباشرة وإنما تظهر من خلال الفهم والبحث أي أنها أصبحت خاضعة للدرس النفسي والاجتماعي وللمعرفة، تخضع لأسس الرمز وعلامته ودرجات فهمه فالذوق ضروري في ترويض الفكرة المتمردة حتى لا يقع الفن المقدم في الفراغ والمحدودية أو النخبوية.
فأحيانا ما يراه الفنان لا يراه أي إنسان آخر ولكن طاقة توجيهه وتعريفه تختلف في الطرح حسب المستوى والفئة التي تتقبله فكرة وإنجازا لذلك في الفنون يعتبر العبث فوضى مرتبة لخيال راحل إلى أغرب نقاط الصورة غير أن هذا قد يلاقي نفورا أو استسخافا ومن هنا نحتاج درجات توعية كاملة وشاملة لماهية الفكرة وحتى لا يقع الصدام أو الاغتراب أو حتى الانعزال بالفكرة يجب ترويض الذوق على الفهم الشمولي للفكرة فما يطرح في منطقة ما ربما لا يمكن تجاوزه في منطقة أخرى وبالتالي حدود الإدراك تتصادم؛ لذلك الإفهام ضروري وهو أيضا رسالة على الفنان أن يعيها قبل المتلقي حتى لا يقع عمله في البساطة والسطحية من ناحية أو في الغموض والفوضى اللامدركة وبالتالي على الفنان أن يتجاوز الخيط الفاصل بين التهجين والتدجين يعني أنه مطالب بأن يبرز عناصر الادراك والفهم أولا في النفس والروح والجسد فالذات المتلقية لا تنتظر اللاشيء في الإنجاز وتبحث عن مكامن الفكرة في الصورة والمشهد والتعبير الفني لأنها بما تملك من مشاعر تبحث عن الجمال المعقول فاللامعقول يحتاج جهدا ليطال المعنى من فكرة الفن.
بقلم: ريم العبيدلي

ريم العبيدلي