كتاب وأراء

الإمارات والشأن التونسي

شهدت العلاقات التونسية الإماراتية توترا واضحا في الأيام الأخيرة على خلفية قرار دولة الإمارات منع النساء التونسيات تحديدا من دخول أراضيها أو حتى مجرد العبور من مطاراتها للانتقال إلى دول أخرى. وأحدث القرار حالة من الاستياء لدى عدد كبير من المسافرين التونسيين ممن كانوا في مطار تونس قرطاج قبل أن يعمد موظف شركة الإمارات للطيران إلى منع كل النساء التونسيات مهما كانت أعمارهن وسواء كن مع مرافقين لهن أو مسافرات بشكل فردي الأمر الذي أدى إلى طلب رئيس الحكومة التونسية مقابلة السفير الإماراتي بتونس. وكانت السلطات الإماراتية قد منعت من قبل دخول التونسيين ممن تقل أعمارهم عن 36 سنة إلى أراضيها دون تبرير لهذا القرار أو تقديم تفسير مقنع له.
والمعلوم أن النظام الإماراتي قد تصرف بعداوة شديدة وبشكل غريزي ودون تفسير مع التحول السياسي في تونس ومنذ استقباله لزوجة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي المطلوبة في قضايا فساد مالي في تونس والمتهمة بالاستيلاء على أرصدة مالية من الخزينة العامة فقد كان من الواضح أن النظام الإماراتي يضع نفسه في صورة العدو المعلن للتحول الديمقراطي التونسي.
ويمكن توصيف تطور علاقة النظام الإماراتي مع الدولة التونسية على النحو التالي حيث كان حليفا لنظام بن علي الاستبدادي والقاصي والداني يعلم انه أثناء أوج الثورة التونسية في أواخر شهر ديسمبر من سنة 2010 كان المخلوع التونسي وزوجته يقضيان احتفالات رأس السنة الميلادية في مدينة دبي. وبعد بداية التحول الديمقراطي تحركت آلة الدعاية الإماراتية لتشويه الثورة التونسية وشيطنتها ولتصل العلاقة إلى ذروتها من حيث سوء التفاهم مع استدعاء النظام الإماراتي لسفيره في تونس احتجاجا على الكلمة التي ألقاها الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي أمام الأمم المتحدة وطالب فيها بالإفراج عن الرئيس المصري المعتقل محمد مرسي وعودة المسار الديمقراطي في مصر. وأثناء الحملة الانتخابية لسنة 2014 ترددت أنباء عن دعم إماراتي للقوى المناوئة لحركة النهضة ولحزب الرئيس السابق المرزوقي غير أن المفاجأة أن حزب نداء تونس والرئيس الحالي الباجي قائد السبسي الذي كان تؤمل الأطراف الإماراتية في انقلابه على المسار الديمقراطي أعلن عن تحالف حكومي مع حركة النهضة واظهر استعدادا واضحا للتعاون معها من أجل إنجاح العملية الديمقراطية في تونس. وفي الفترة الأخيرة كشفت الزيارات التي قام بها محمد دحلان المنشق الفلسطيني المقرب من نظام الإمارات عن محاولات لخلق جبهة معادية للثوريين التونسيين في سعي محموم لإجهاض التجربة الديمقراطية التونسية وقد اعترف مهدي الربعاوي القيادي في حزب آفاق تونس في حوار مع جريدة الصباح التونسية عن حصول لقاء بين قيادة الحزب ومحمد دحلان في إطار ما أسماه مشاورات عادية، إلا أن غير العادي في الموضوع هو أن يقوم رئيس هذا الحزب الذي هو شريك في الائتلاف الحكومي الحالي إلى الإعلان مباشرة بعد هذا اللقاء عن الانسحاب من الحكومة ودعوة وزراء الحزب إلى الاستقالة من مناصبهم في مسعى إلى إسقاط التحالف الحكومي حسب ما يبدو. غير أن بعض وزراء الحزب رفضوا الامتثال لهذا القرار وفضلوا البقاء في مناصبهم. إن الرغبة شبه المعلنة للنظام الإماراتي في إجهاض المسار الديمقراطي التونسي أصبحت أشبه بحرب غير معلنة ضد مصالح الشعب التونسي وتحولت إلى أشكال من التآمر والتحريض ضد الحكومات المتوالية في تونس الأمر الذي يدعو إلى مراجعة العلاقات التونسية الإماراتية بشكل تتخذ معها شكلا طبيعيا خارج أوهام السيطرة والهيمنة التي تسكن أذهان حكام أبو ظبي، ويأتي قرار المنع الأخير ليخلق حالة من الاحتجاج الجماعي التونسي والمطالبة برد حكومي مناسب على ما اعتبره القسم الأكبر من الجمهور التونسي على مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة إهانة لا يمكن الصمت عليها أو أن تمر مرور الكرام. ويبقى الأمل ضعيفا في أن يتخلى النظام الإماراتي عن طيشه السياسي ورغبته المحمومة في السيطرة على دول مستقلة ذات تاريخ وترفض التعامل معها بهذا الشكل غير الحضاري والمفتقر لآداب اللياقة السياسية.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي