كتاب وأراء

في ذكر محاسن الميت

في كل عام في ذكرى وفاة والدي(الشاعر السوري محمد عمران) أضع على صفحتي على فيسبوك مقاطع من قصائد له كتحية له في ذكراه، وفي كل عام تأتيني تعليقات مختلفة ومتنوعة عنه وعن شعره ونصوصه، على مدى سنوات كان يأتيني التعليق التالي من إحداهن: «الرحمة لروح الشاعر المحترم الذي كان معارضا للنظام الحاكم» وعلى مدى سنوات كنت أجيب بالتالي: «لم يكن محمد عمران معارضا للنظام، ولم يتعرض للاعتقال إلا في زمن النضال السلبي لحزب البعث قبل استلامه السلطة، حينها انسحب والدي من الحزب عام 1963» وأضيف: «هو الآن في ذمة الله، لا يحق لا لي أنا ابنته ولا لأي شخص آخر أن يخترع تاريخا له ليس حقيقيا، وبما يخص موقفه من الثورة لو بقي على قيد الحياة فليس لدي أي فكرة عما سيكون موقفه أو موقف أصدقائه ممن رحلوا عن حياتنا قبل 2011، رحيلهم وضع مواقفهم موضع الافتراض والتخمين من الحدث اللاحق لا موضع اليقين، أما تواريخهم فالحديث عنها يقيني لا افتراضي ولا تخميني».
يشبه الموت أحيانا آلة للتنظيف أو لإعادة التدوير، فما أن يموت الشخص حتى ينسى ما كان صدر منه خلال حياته مما يطلق عليه لقب الأخطاء، الموت يشتغل كمبيض لسمعة الميت وتاريخه، يموت أحد ما، فتبدأ التفجعات الكثيرة عليه وقصائد الحزن واللطم، وتعداد مالا يحصى من المناقب والصفات التي لو كان الميت يملكها فعلا لكان أحد عباقرة زمنه، لكن القصة تسير على مبدأ «اذكروا محاسن موتاكم». وكأن الموت ممسحة يمسح في طريقه للقبض على روح الشخص كل أخطائه وصفاته السيئة، لا بأس، هي فكرة اجتماعية مهمة، تندرج تحت بند التكافل الاجتماعي، ففيها الكثير من التضامن مع أهل الراحل وفيها طلب للرحمة من العلي القدير.
غير أن نسيان أخطاء الراحل بعد وفاته، وعدم الحديث عنها شيء، واختراع تاريخ آخر له لا يشبهه بشيء وتحويله إلى أيقونة لا يجوز المساس بها شيء آخر تماما، حتى لو كان ذلك تحت بند المحبة الخالصة دون أية غاية. أنا أحب أبي لكنني فعلا لا أتجرأ على القول إنه كان معارضا لنظام الأسد الأب، وتوفى قبل مجيء الابن، لذلك أيضا لا أعرف ما كان لموقفه من الوريث أن يكون، اختراع تاريخ له حتى لو كان تاريخا مشرفا ويناسبني شخصيا هو محض تزوير، لا يختلف مطلقا عن اتهامه، فرضا، بالتطبيع لو تجرأ أحد واتهمه هذه التهمة، في الحالتين هناك تزوير للتاريخ وقلب للحقائق وإرغامها على تقمص ما كنا نتمناه نحن له.
في كلامنا عن الراحلين نحن ننطق عن الهوى، إن كنا نحب هذا الراحل فإننا نحمله كل المواقف التي نعتقد أنها صحيحة ومستقيمة. وإن كنا نكرهه فإننا نحمله كل ما نراه مضادا للحقيقة ومعاكسا للاستقامة، في الحالتين نحن نسقط رغباتنا على أناس ماتوا ولم يعد بمقدورهم إيضاح الصورة الحقيقية.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران