كتاب وأراء

المثقف الخليجي بين السياسي والمعرفي

الثقافة هي العامل الرئيس في حركة المجتمع نحو التقدم والنهوض، وماهية القيم الثقافية السائدة في المجتمع، والتي تشكل المرجعية الحاكمة لأهل السلطة السياسية والنخبة الثقافية، هي المعيار الأدق للحكم على حركة تقدم المجتمعات.
من هو المثقف؟.. المثقف، هو ذلك الإنسان الذي يحتفظ باستقلاليته الفكرية، عن ضغوط السلطة السياسية، من ناحية، وعن سلطان الرأي العام الجماهيري، من ناحية أخرى، فإذا خضع لسلطانهما، على خلاف قناعاته الفكرية، تملقاً أو رغبة أو رهبة، أضعف مصداقيته كمثقف.
فالمثقف هو: مجموعة مواقف، وليس مجموعة معارف، يحشو بها رأسه، عليه أن يفكر باستقلالية، فلا يتملق غرائز الجماهير، كسباً للشعبية والنجومية والمريدين، على حساب المصلحة العامة، كما أن المثقف ليس موظفاً لدى السلطة، مهمته الدفاع عنها والهجوم على معارضيها، وليس هو مثقف الحزب يبشر بأفكاره، أوالطائفة يحامي عنها،، المثقف الحقيقي هو ذلك الإنسان الذي يظل على توتر خلاق تجاه السائد فكرياً واجتماعيا وثقافياً في مجتمعه، استشرافاً لمستقبل أفضل، وظيفة المثقف الحقيقية، إنتاج المعرفة، وتغيير الذهنيات لا تغيير الأنظمة أوالعالم، هذا وظيفة الناشط السياسي، وظيفته تحليل وتفسير وفهم الأحداث، والنقد البناء والمراجعة البصيرة لأوضاع مجتمعه، فتطور المجتمعات والعلوم والنظم والتقنيات والمؤسسات، وازدهارها، هو نتاج آلية النقد والمراجعة المستمرة.
الآن، وعلى ضوء هذا التعريف بالمثقف، فإن السؤال المطروح: ما موقف المثقف الخليجي من الأزمة الخليجية؟
المثقف الخليجي: إما أن يكون أحد أطراف النزاع،أو خارجه، فإذا كان من خارج أطراف النزاع، فهل المطلوب منه الانحياز إلى أحد الأطراف، أو يحاول أن يتخذ موقفاً عادلاً متوازناً بينها؟
وفيما يتعلق بالمثقفين، أطراف النزاع، فهل عليهم الاصطفاف مع مواقف بلدانهم لدرجة التماهي، فيرى كل، أن الحق كل الحق مع بلاده، وأن الآخر على خطأ وبطلان وعدوان، فيدافع عن سياسة بلاده ويتهم الآخر، أو على المثقفين أن يتخذوا مواقف مستقلة عن مواقف بلادهم؟
كل هذه التساؤلات وغيرها، تفرض نفسها في أجواء الأزمة الخليجية، وتثير حيرة المثقف الخليجي، وقد لا تجد جواباً شافيا لدى الأطراف المختلفة، فلكل حجته ورؤاه التي يتمسك بها.
في تصوري: أنه بالنسبة إلى المثقفين في دول النزاع، المنغمسين في الخطاب السجالي للأزمة، وأجوائها الساخنة، من الصعب تصور مواقف مخالفة أو معارضة لمواقف بلدانهم، تلك مواقف غير مقبولة: شعبيا وحكومياً، وقد يجد المثقف نفسه في وضع شاذ وطنياً، ومنبوذا اجتماعياً، ومع ذلك، أرى أن دور المثقف، هنا، ينبغي أن يتمايز عن دور السياسي والإعلامي، فلا يتقمص دورهما، ولا يستخدم أساليبهما ومفرداتهما، إذ أن لكل من المثقف والسياسي والإعلامي، دوراً ومجالاً وأسلوباً، في خدمة وطنهم، ليس من مهمة المثقف، الانزلاق إلى حملات الشحن والتحريض والكراهية المتبادلة، وظيفته الأساسية، إنتاج المعرفة، وتغيير الذهنيات، وتحليل الأحداث، ورفع الوعي العام، وهو بهذه الوظيفة، يسهم في خدمة بلده، وأداء الواجب الوطني، لكن بأسلوب يختلف عن أسلوب الآخرين.
أما عن المثقفين الآخرين من غير دول النزاع، فأتصور أن واجبهم الأساسي، الحرص على اتخاذ مواقف عادلة ومتوازنة، تمكنهم من تهدئة الأمور، وعدم تصعيدها، حفاظاً على الحد الأدنى للوشائج والعلاقات الأخوية بين دول الخليج، كما تؤهلهم لاجتراح حلول ومخارج مقبولة، لهذه الأزمة المهددة للكيان الخليجي الذي صمد أمام كل التحديات التي مر بها الخليج على امتداد 37 عاماً.
تساؤل أخير: هل معنى تمايز عمل المثقف عن السياسي والإعلامي، أن لا يهتم المثقف بالسياسة والإعلام؟
لا ليس ذلك هو المقصود، إذ يمكن أن يكون المثقف سياسياً وإعلامياً وناشطاً، كأعمال إضافية إلى عمله الأصلي، مثل الطبيب أو المهندس الذي يستطيع أن يضيف إلى حرفته العلمية صفة أخرى إضافية، سياسية وإعلامية، ولا شيء يمنع المثقف من المشاركة في الشأن العام باعتباره مواطناً له حقوق سياسية، وإنساناً يؤمن بمبادئ، ويتطلع لتحقيق أهداف سياسية، فقط ينبغي تأكيد أن للمثقف في مجتمعه دوره المعرفي الأساسي والأهم، ولكن بالتأكيد ليس هو دور شاعر القبيلة.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري