كتاب وأراء

مكابداتنا اليومية

بعد أيام قليلة أكمل سنواتي الست خارج سوريا، مرت ست سنوات الآن، مرت كما لو أن الأمر حدث قبل أيام، كما لو أنني غادرت سوريا للتو، كما لو أنني كنت في رحلة وسأعود إلى دمشق، إلى حيث بيتي الصغير في حي المزرعة في وسط دمشق، بيتي الصغير على سطح عمارة هادئة، بيتي المطلة شرفته العريضة على جبل قاسيون.
وسأعود إلى حياتي وابنتي وأصدقائي، سأعود لأبدأ ترتيبات دورة السنة من مهرجان السنديان الثقافي الذي أنظمه كل عام في قريتي، وسأرى من سأدعو من شعراء العرب والعالم، ومن سيعزف في نهاية المهرجان، ومَن مِن الفنانين التشكيليين سيشارك في ورشات الرسم والنحت.
سأعود إلى معاركي الصغيرة مع الشعراء السوريين الذين لم أدعهم حتى الآن إلى المهرجان، سأعود لملل الوظيفة ومكابدات الاستيقاظ صباحا بعد سهرة طويلة مع الأصدقاء: أميرة وخليل وخضر وحازم وأمل، ومن ينضم لنا كالعادة من العابرين غير الدائمين في سهراتنا، سأعود للمناكفات الدائمة مع ابنتي الشابة، ولهواتف أمي الصباحية لتطمئن علينا وتطلب، كعادتها، أن أفكر بالزمن قليلا، وأن أحاول أن أوفر قليلا منى راتبي الشهري، فقد تقع الفأس في الرأس وليس لي ما أستند إليه إذا ما دخلت في محنة ما، وسأقول لها، كعادتي: كأنك لا تعيشين في هذا البلد، تعرفين أن مرتبي لا يكفيني لدفع أجرة المنزل والفواتير الشهرية فقط، وستصمت كالعادة وهي تدعو الله أن يفك كربي ويفرجها عليّ، وسأضحك وأنا أعرف أن الحديث نفسه سوف يعاد غدا صباحا.
يا إلهي، كنت أظن أن ست سنوات في بلد آخر، وحياة جديدة، وذاكرة جديدة ممتلئة بتفاصيل التأقلم، والقهر والحزن والغضب والألم، كله كاف لكي أنسى حياتي السابقة، كنت أظن أنني ضد الحنين وضد الشوق وضد ذاكرة الأيام الماضية، كنت أظن أنني تخلصت من فكرة الانتماء وفكرة الوطن، وأنني تجاوزت هذا الألم الممض والشوق الذي ينخز نومي كشوك صبار حاد، يا إلهي كم أنا مدعية وبائسة، ما الذي أفعله بحبوب النوم جانب سريري إذا؟ ما الذي أفعله بأدوية القلب الذي توقف قبل عام من فرط الشوق قبل أن يعيده الطب إلى حركته؟ ما الذي أفعله بهذه الوحدة والوحشة التي تأكل أيامي دون أن أهتم؟!
ست سنوات لم تعد سوريا هي سوريا، يخبرني القلة ممن تبقى من الأصدقاء هناك، لن تعرفي لا دمشق ولا طرطوس، تخبرني أمي وهي تحمد الله على الهاتف أنني نجوت من مرض قاتل، عيشي حياتك وتمتعي بها ولا تفكري بالعودة الآن، البلد مليئة (بالزعران) لم تعد تصلح لك، من تبقى من الشرفاء يعيش في غربة أكثر بكثير من غربتك، تكمل أمي في أحاديثنا الهاتفية اليومية، بينما يقول لي صديق قريب لم يغادر دمشق: ستعودين وسأكون بانتظارك، وستوقعين كتابك الأخير في دمشق القديمة حيث تحبين!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران