كتاب وأراء

المفاوضات اليمنية .. عندما يكون التـفاوض مجاملة !

لو طُلب من المراقبين السياسيين وضع مجموعة تعابـير لوصف المفاوضات اليمنية في الكويت أو أبرز ما يتم فيها، ربما كتبوا كلمات مثل: تأثير الضغوط الدولية على مفاوضات جاءت مجاملة، توظيف فن المراوغة لتحقيق مكاسب سياسية، طرق كسب الوقت من أجل المناورة على الطاولة وعلى الأرض، وشكل الحوار عندما يكون بدون رؤية أو استراتيجية أو نهاية محددة أو حتى منطقة اتـفاق في المنـتصف! كل طرف في المفاوضات اليمنية الكئيـبة لديه أجنداته وظروفه ومطالبه وأهدافه وحزمه من الضغوط الدولية التي تقلقه فأصبحت المفاوضات وكأنها عملية توليد صعبة وقد تٌـنـتج خديجا سرعان ما يٌدفن غير مأسوف عليه!
من التعقيدات التي أفرزها حوار بدون نفس! أنه أصبح حوار بدون أساس أو كما يقال حوار بدون قاعدة من أجل التـفرغ لضرب القاعدة! لقد تم الاتـفاق بين الأطراف كلها للتـفاوض على أساس من قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2216) لكن تم الدوران حول هذا الأساس المتـفق عليه والدخول في نـقاشات بـيزنطية لا نهاية لها! هناك عدة بنود في القرار الدولي منها: وقف العنف وسحب القوات من جميع المناطق التي سيطر عليها الحوثيون والامتـناع عن التدخل في صلاحيات الحكومة اليمنية الشرعية والإفراج عن جميع السجناء السياسيين والكف عن أية اعتداءات على الدول المجاورة الخ! في حين أخذ الحوار أو التـفاوض في الكويت يلف ويدور حول هذه النـقاط ولا يناقـشها وكل طرف يحاول أن يمسك العصا من المنـتصف لكن لا يوجد منـتصف ولا يوجد ضوء في نهاية النـفق!
من أكبر الصعوبات التي يمكن ملاحظتها في المفاوضات اليمنية أن حجم الاختلاف بين الأطراف اليمنية يطغى على فرص التوافق! فالصراع بين الأطراف المشاركة في سوالف الكويت قديم جدا وصبت عليه بعض الأصابع الدولية المتمرسة المزيد من الحقد والضغينة وزودته بأجندات سياسية وطائفية منـقولة عبر البحار لتحقيق أطماع توسعية لبعض الدول أو تحقيق مصالح استراتيجية لدول ثانية أو لمجرد إدخال دولاب في عربة الوحدة اليمنية بالنسبة لدول أخرى! لقد ساهمت الاخـتلافات الأهلية اليمنية الممتدة عبر التاريخ القريب وتبعات الثورة اليمنية الشبابية إضافة إلى العديد من العوامل السياسية والدولية في تعميق الاختلاف حول الأهداف والطموحات بين الأطراف اليمنية وعادة الاختلاف في الرؤى يؤسس للاختلاف في سير المفاوضات ونـتائجها، مثل النـفخ في الهواء!
البطء والتعقيد في المفاوضات اليمنية في الكويت يرجع إلى تلكؤ الأطراف المشاركة وعدم قدرتهم على الحسم وابتعاد نـقاط التوافق بينهم علاوة على غموض مواقف الدول الكبرى والدول ذات العلاقة بالأزمة وكذلك اهتـزاز موقف الأمم المتحدة في التعاطي مع القرار الأممي تماما كما يحدث في المفاوضات السورية في جنيف! ولعل الملاحظة الأكبر في هذا الخصوص أن بندا رئيسا في القرار الأممي مثل الانسحاب أو إطلاق المعتقلين أو إدخال المساعدات الإنسانية يتحول إلى شرط من شروط التـفاوض والمساومة! كما يلاحظ أن الاختلاف في ترتيب وتسلسل البنود في القرار الأممي يؤخر عملية حسم المفاوضات وحسم الصراع خاصة مع وجود أطراف متعنـتة ومتأثرة بالضغوط الدولية والأصابع الممتدة بغرض التخريب والتـقسيم وتحقيق أطماع وأجندات خاصة!
المفاوضات التي تـتم مجاملة ولا توجد لها رؤية أو قواسم مشـتركة واضحة مصيرها الفـشل حتى لو عاد الأطراف لطاولة التـفاوض مرة تلو المرة! فما بالك إذا كانت هناك عقبات وتعقيدات إضافية بعضها داخل غرفة التـفاوض وبعضها خارج الغرفة لكن كلها تـضخم التعقيد والاختلاف. ومن أمثلة تلك المؤثرات على المفاوضات اليمنية تصرفات إيران العبثية وتطورات الحرب السورية وتعقيدات الحرب الأهلية في العراق وغيرها من أحداث دوامة العنف في المنطقة بل حتى العلاقات الإيرانية الأميركية قد تؤثر على الاجتماع وما يدور فيه! أهداف وطموحات واستراتيجيات الدول الأخرى تلقي بظلالها على المفاوضات اليمنية في الكويت وربما بوزن أكبر من وزن أهداف واستراتيجيات الأطراف اليمنية نـفسها!
ومن أهم المؤثرات على المفاوضات اليمنية في الكويت تعقيدات الوضع الميداني على الأرض اليمنية وتأثير سير المعارك والاشتباكات التي لم تـتوقف وحالة موازين القوى التي لم تـثبت على حال! فكل طرف يتـخذ المفاوضات وسيلة لكسب الوقت وحشد القدرات لتـغيـير الواقع على الأرض لصالحه سواء أثـناء المفاوضات أو في حالة إعلان فـشلها. بمعنى أنه يمكن تصوير المفاوض اليمني في الكويت بـ (يدين اثـنـتين) واحدة على اللاقط الصوتي للتـفاوض المدني والأخرى على الزناد للتـفاوض العسكري، وستـنبئكم الأيام بخبر لمن الغلبة!
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي