كتاب وأراء

سياسة الخداع .. قراءة في وثيقة إماراتية مسربة

نشرت صحف ومواقع إلكترونية عربية وتونسية نص وثيقة سرية صادرة عن إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية تتطرق إلى سبل التعامل مع الأزمة الأخيرة التي تسبب فيها قرار نظام أبو ظبي بمنع المرأة التونسية من السفر إلى الإمارات أو حتى العبور منها. وتكشف التوصيات الواردة في الوثيقة عن جملة من الحقائق الخطيرة حول طبيعة السياسة المخاتلة التي تنتهجها أبو ظبي إزاء البلاد التونسية.
وإذا كانت الوثيقة تتحدث عما تسميه الخطوات اللازمة لاحتواء الأزمة فإن القراءة المتأنية تكشف أن المطلوب هو إعادة تدوير الأزمة من اجل تحويلها إلى أداة للتدخل في الشأن التونسي الداخلي واستهداف قوى سياسية تونسية ورد ذكرها بالاسم في الوثيقة المذكورة.
ومن خلال التوصيف الوارد لحالة التوتر بين تونس والإمارات تكشف الوثيقة بصورة ضمنية عن حالة من الارتباك الإماراتي حول التعامل مع مخرجات الأزمة المفتعلة التي اختلقتها مع الدولة والشعب التونسي. وكان من التوصيات المقترحة محاولة تصوير المشكل بأنه يتعلق بممارسة حق سيادي لدولة الإمارات التي تسعى لحماية أمنها. غير أن ما يثير الريبة في التوصيات التي توردها الوثيقة هو إصرارها على تحويل المشكل إلى أزمة تونسية داخلية ومحاولة خداع الرأي العام عبر جملة من المعطيات الوهمية من قبيل دفع جهات إعلامية تابعة للإمارات وخاضعة لها لتصوير المرأة التونسية بوصفها من أتباع جماعات العنف والإرهاب. وبعيدا عن محاولة نزع فتيل الأزمة تذهب توصيات الوثيقة إلى التأكيد على «استبعاد فرضية الاعتذار لتونس؛ كون الاعتذار يُسيء لصورة دولة الإمارات؛ لأن الأمر يتعلق بقرار أمني سيادي يجب التمسك به، وعدم الالتفات إلى مطالب الاعتذار». وهو ما تواصل الخارجية الإماراتية الإصرار عليه إلى حد اللحظة برفضها الاعتراف بخطئها وما ألحقته من إساءة بالشعب التونسي.
وفي ذات إطار سياسة الخداع تذهب توصيات الوثيقة في اتجاه محاولة التلاعب بالمشهد السياسي التونسي في اتجاهين أولهما محاولة إلصاق تهمة الإرهاب والعنف وعزل حركة النهضة في المشهد السياسي التونسي، بوصفها خصما لا بد من إقصائه، وذلك من خلال دق إسفين بينه وبين حليفه في الحكم نداء تونس من خلال الإيحاء أن الأزمة الحالية تخدم حركة النهضة انتخابيا، وأن من مصلحة حزب الرئيس التونسي أن لا يعمد إلى تصعيد الموقف حيث ورد في الوثيقة «أن السبسي وحكومته لا ينتبهون إلى أن طلب اعتذار من دولة الإمارات يخدم مصلحة حركة النهضة، التي ستوظف تصعيد الأزمة لإعادة الانتشار داخليا قبل الانتخابات المقبلة»، وهو ما يعني ضمنا أن الجهد الإماراتي ينصبّ على «شيطنة» تيار سياسي تونسي خدمة لمصالحها واستجابة لنزوات حكامها الغرائزية غير المفهومة.
وثانيا تضع الوثيقة في التوصية الثامنة أسس التعامل دعائيا مع الأزمة وسبل تحويلها إلى صراع ضد المشهد الديمقراطي التونسي من خلال تأكيدها انه «من الممكن تحريك جمعيات ومواقع إعلامية داخل تونس لقلب النقاش ضد «النهضة»؛ لكونها المسؤولة عن الأعداد الكبيرة من الداعشيات التونسيات اللواتي أصبحن يسئن للمرأة التونسية وصورتها التقدمية في الأذهان»، وهو ما يكشف عن توظيف الإمارات لشبكات من الإعلاميين والموالين السياسيين من اجل تنفيذ سياساتها القذرة الهادفة لتوتير الوضع في تونس وخلق أزمات في النظام السياسي التونسي.
ورغم أن التوجهات الإماراتية المعادية للمسار الديمقراطي التونسي لم تعد خافية على كل مراقب موضوعي، فإن ما يتسرب من وثائق ومعلومات حول السياسات الرسمية لهذه الدولة، لا يدع مجالا للشك حول سعيها لضرب الاستقرار في تونس.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي