كتاب وأراء

قضايا التحرر لا تتجزأ

دون شك، تشكل القضية الفلسطينية القضية المحورية الأولى في بلادنا ولدى شعوبنا العربية وشعوب المنطقة، ودون شك أيضا، كانت القضية الفلسطينية ذات يوم هي البوصلة التي توجه أحرار العالم نحو الوجهة الصحيحة، النضال الثوري العالمي ذات يوم كان على رأس أهدافه قضية الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه التي تم اغتصابها، وحقه في العودة إلى بلاده التي احتلها استعمار لا مثيل له، ليس على مستوى الإجرام، وإنما على مستوى البنية.
فأن يقوم المجتمع الدولي ببيع بلد بكامله إلى مجموعة بشرية قادمة من كل العالم ولا يجمع بينها سوى الدين، وتشريد شعب هذا البلد، بحجة حق تاريخي مذكور في كتاب ديني، هي سابقة تاريخية لم تحصل ولن تحصل، ولم يكتف المجتمع الدولي بذلك، بل اشتغل بجهد على تثبيت أنظمة في الدول المحيطة بفلسطين المحتلة عملية وتابعة له في الخفاء، ومحملة بضجيج وشعارات خلبية تنادي بالعداء لإسرائيل، وتقيم حروبا فاشلة، بينما تدفع شعوبها ثمن كل ذلك، من لقمة العيش حتى التعليم المحترم وحق التعبير والديمقراطية.
كان لا بد لتبقى إسرائيل دولة (حضارية ومتميزة) في المنطقة من أن تبقى الشعوب العربية تعيش في ظل التخلف والجهل والتغييب والقمع، ثم إلهاؤها لاحقا بحروب دينية مذهبية طائفية كي تبقى القضية الفلسطينية شأنا ثانويا، ويصبح الوجود الإسرائيلي واقع حال لا مفر منه.
وهو السبب نفسه الذي جعل الأنظمة العربية تمحي كل أثر للمقاومة الوطنية التقدمية وتستبدلها (بمقاومات) دينية ومذهبية، كان لإيران بعد ثورتها الإسلامية دور كبير في ذلك بتحالفاتها مع الأنظمة العربية، بعد رفعها شعار العداء لإسرائيل.
خلال سنوات طويلة جدا، أغرقت شعارات العداء والموت لإسرائيل بلادنا، ووضعت هذه البلاد وشعوبها على نار خفيفة جاهزة للاشتعال في كل لحظة، وعاما وراء عام كنا نغرق في هزيمة تلو الأخرى بينما تعلن الأنظمة وحلفاؤها انتصارات إلهية وهمية.
بقيت إسرائيل هي الدولة (الديمقراطية) المنتصرة الوحيدة في المنطقة التي تعقد الاتفاقات السرية مع الأنظمة العربية لما فيه تحقيق شعارها الأزلي (من الفرات إلى النيل)، وبقينا نحن غارقين في التخلف والجهل وتمجيد الحكام والمستبدين، ورجم كل من خرج عن هذا السياق بتهمة العمالة للعدو الإسرائيلي.
المدهش أنه، وحين قررت هذه الشعب المسحوقة التمرد الجمعي على مستبديها لتغيير واقعها الاجتماعي والسياسي، والذي لا يمكن أن يتحقق أي انتصار حقيقي ضد عدو بحجم إسرائيل إلا بتغيير سياسي واجتماعي حقيقي، أول من وقف ضد هذه الشعوب واتهم ثوراتها ضد أنظمتها بالعمالة هم جموع الأحزاب التي كانت ذات يوم مقاومة وطنية وتم القضاء عليها من قبل هذه الأنظمة نفسها.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران