كتاب وأراء

المؤتمر الاقتصادي الأول في العالم وترامب

حضرت في مدينة فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا هذا الأسبوع ما يعد أكبر مؤتمر اقتصادي عالمي يضم حوالي 12 ألف اقتصادي يأتون من كل فج عميق ليلتقوا في هذا المنتدى الكبير يتناقشون ويتباحثون في اهم الأبحاث الاقتصادية النظرية والعملية. ولأن المؤتمر يضم إلى جانب منظمة اقتصاديين أميركا -التي تقوم بتنظيم المؤتمر-ما يربو على أربعين منظمة اقتصادية وشبه اقتصادية أخرى من كافة انحاء المعمورة فانه يطلق علية مؤتمر «منظمة العلوم الاجتماعية المتحدة».
ويتوزع المشاركون في المؤتمر ورواده على ما يزيد عن أربعين فندقا ونزلا وتزدحم بهم المطاعم والمحلات التجارية لدرجة أن المدينة التي تستضيف المؤتمر تعد له من قبل حدوثه بحوالي «9» أشهر كاملة. والطريف أن تجد من الزملاء من يندب حظه لأنه لم يستطع أن يحجز غرفته من أربعة أشهر من خلال الموقع الإلكتروني لإدارة المؤتمر التي تفتحه خصيصا لعدة أيام فقط لهذا الغرض وبالسعر العادي المتفق عليه مع الفنادق.
ذلك أنه بمجرد فتح باب الحجز الإلكتروني بدقائق معدودة يتم شغل جميع الغرف المتفق عليها وعليك اما ان تقبل وضعك في قائمة الانتظار أو تحجز لنفسك دون الاستعانة بالمنظمين ومن ثم عليك ان تدفع ثلاثة اضعاف ما دفعه زملائك المحظوظون والذين لديهم الخبرة فقاموا بالحجز بعد فتح الموقع بدقائق. أحد الزملاء دفع 450 دولارا في نفس الغرفة التي دفع فيها الآخرون السعر العادي (حوالي 115 دولار أميركي هذا العام).
وما يميز هذا المؤتمر عن نظرائه أنه يحضره عدد هائل من الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل حيث تخصص إحدى ندواته للاحتفال بالأستاذ الحاصل على نوبل في العام السابق. كما أنه يتم أيضا تنظيم سوق للعمل داخل المؤتمر يلتقي فيه طالبو الوظائف من الاقتصاديين (عادة ما يكونوا طلاب الدراسات العليا المتوقع حصولهم القريب على درجة الدكتوراه) مع أصحاب الاعمال (وعادة ما يكونوا من المؤسسات التعليمية والمنظمات والبنوك العالمية الراغبة في تعيين خبراء أو أساتذة اقتصاد ومالية عامة). ويعتبر هذا السوق المنظم الحدث العالمي الأوحد في مجال الاقتصاد.
ولأنى أحضر هذا المؤتمر بصفة مستمرة منذ أكثر من «15» عاما-حيث أشرف بتمثيلي لرابطة اقتصاديين الشرق الأوسط التي تعتبر من المنظمات الأربعين التابعة لمنظمة العلوم الاجتماعية-فيمكنني القول إن هذا هو المؤتمر الأول الذي أري فيه مجموعة من الخبراء الاقتصاديين الأميركيين المعروفين و(بعضهم حائز على جائزة نوبل) ينهالون على السياسة الاقتصادية للرئيس الأميركي الحالي (السيد دونالد ترامب) نقدا وتشريحا -أو قد يراها محبو السيد ترامب ومؤيدوه طعنا وتجريحا- للدرجة التي شعرت معها ، وانا لست مغرما بالرجل أو بسياساته، انهم كانوا يجب ان يكونوا أكثر رفقا بالرجل أو أقل انتقادا.
والخلاصة هنا أن سياسات السيد ترامب الاقتصادية ما هي الا إعادة إنتاج لمعظم سياسات الرئيس الراحل «رونالد ريغان». وبدلا من نظرية «الريجانوميكس» نحن أمام «الترمبونمكس». أو نظرية «اقتصاديات الثمار المتساقطة» أو «اقتصاديات انسياب المنافع» التي تقوم على اعطاء حوافز ضريبية ضخمة للأغنياء.
من أجل زيادة الادخار وأعاده الاستثمار. ولقد أجمع الاقتصاديون الكبار في المؤتمر أمثال «لاري سمر» رئيس جامعة هارفارد الحالي و«جوزيف ستجلتز» الحائز على نوبل مع اوليفر بلنشارد رئيس منظمة اقتصاديين أميركا و«ادموند فيلبس» اقتصادي جامعة كولمبيا الشهير مع «دومينيك سلفاتوري» منظم الندوة أن ما حدث في عهد ريجان يمكن أن يحدث على شكل أوسع وأعمق في عهد ترامب. في البداية ولمدة سنة أو اثنتين ستزداد معدلات النمو ولكن المحصلة النهائية أن يتفاقم عجز الميزانية ويتضاعف حجم الدين العام وتزداد الهوة بين اصحاب الدخول المرتفعة وبقية الشعب الأميركي. كما حذر الاقتصاديون السابق ذكرهم من ان الطريقة الحمائية التي تتعامل بها إدارة ترامب مع موضوع العولمة والتجارة الخارجية من شأنها ان تؤذي الاقتصاد الأميركي وتبطئ من نموه المستقبلي.

بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي