كتاب وأراء

«معذرة ملكة الورد»

سؤال وُجودي لا تَكُفُّ المرأةُ عن طرحه، سواء بمناسَبة أم بدون مناسَبة: «أَتُحِبُّنِي؟»، ولِسان حالها المسكون بالفُضول تراه بِلُغَةٍ أخرى يَقول: «أمازِلْتَ تُحِبُّنِي؟»..
هَمٌّ ما بَعده هَمّ يُثقل صدرَ المرأة حين تُلقي بها هواجسها في بئر الشكّ السحيقة لِتُراوِدَها الظنون وتَبدأ رحلة الهَلْوَسَة ما أن يُطْلِقَ شيطانُها عنانَ الوَسْوَسَة..
أَخْيِلَةُ المرأة تَعْبُرُ محيطاتِ اليقين باحثةً عن مارِدِ الشكِّ الدفين الذي تَتَهَيَّأُ له حالفةً ألا تَعودَ بدون رأسه، يُقطَع رأسُه ولا تَنقطع أنفاسُها..
أنفاس المرأة تَظَلُّ تَوَّاقَةً إلى لملمة مَناديل الحُبّ الْمُبَعْثَرة هنا وهناك على شُرفات مدينة القلب، القلب الخامد برُكانه حدّ أن يَحتاج بين الفينة والأخرى إلى مَن يُحَرِّكُه بشوكة دبُّوس..
تلك الشوكة في وسعها أن تُطْفِئَ نارَ الشك الذي يَتَسَلَّل إلى دواخِل المرأة، يَتسلل لِيَقْتَحِمَ أرضَها الآمنة بجُيوش أَرَقِه وقَلَقِه ورَعْدِه وبَرْقِه وعَصْفِه ولَوْعَتِه ونِيرانه..
مَنْ قال يا صديقي إن المرأةَ تَحيا تحت سقف الشك؟!
مَنْ قال إنها تَحْتَمِي مِن وابل الهواجس تحت مظلة الشك؟!
مَنْ قال إنها تَنعَم بالدفء وصدرُها بارد بارد في غياب حَطَب اليقين؟!
بين الشك واليقين تَجِدُكَ تَثُور أنتَ المسكين، تثور وتَسجن عصافير قلبك بعيدا عن راحة يَدِها التي مافَتِئْتَ تُقَبِّلُها في زمن سابق طَلَباً لوصالها، فإذا بِكَ اليوم وأنتَ تحكم قَبضتَك على يَدِها وقلبِها تُبَدِّدُ ثروةً في قلبها ولا تُبدِّدُ ما تَتَحَسَّسُه من خوفها..
المرأةُ كالعُصفور تُثَمِّنُ الحريةَ، وأكثر ما تحتاج إليه منك هو حرية التعبير، ففي كل وقتٍ وحينٍ تَنتظر منكَ أن تُطَمْئِنَ قلبَها المسكين كأنكَ تَقول له: «أنا هنا»..
ما دلالة هذه الـ «أنا هنا» سِوى التعبير بإلحاح عن العبادة حُبّاً، أم أنكَ تَسْتَكْثِرُ عليها أن تُصارِحَها بأنكَ «تَعبدها» هي التي لا تَعبد سواكَ في حياتِها الثانية، على اعتبار أن عبادةَ رَبّ العالمين حياةٌ أُولى..
كالطفل هي المرأة، لا تَتوقف عن طرح السؤال نفسه بإلحاحِ الأطفال وبُكاءِ الأطفال، كل ما هنالك أن المرأةَ لَيْسَتْ دائما تَبكي، ولا تَنْتَظِرْ منها أن تَراها دائما تَبكي لأن قَلْبَها هو الذي يَبْكي..
قلبُ المرأة يَبكي في صمت، ويَنْتَظِرُ منكَ يا رَجُلَهَا أن تُجَفِّفَ دَمْعَها قبل أن تَفضحَه العيون، عيناها الاثنتان نافِذَتَا رُوحِها، وقَلْبها العينُ الثالثة التي تَرى ما لا تَراه نَوافِذ الروح..
ذكاءُ الرجُل يَركع له قلبُ المرأة، وحِكمةُ الرجُل تُشرِق لها شمسُ عاطفة المرأة، وصِدقُ الرجُل تَذوبُ له المرأة، وتَجاوُب الرجُل مع عاطفتها المحمومة يَرفع المرأةَ على عرش قلبه مَلِكَةً..
صَرْحُ الحُبّ أَجْمَل بِناءٍ في الدنيا وأَرْوَعه، وأسوار الحُبّ تَجعَل سِجنَ الرجُل جَنَّةً على الأرض للمرأة، وجزيرةُ الحُبّ مَرْفَأ أَخِير يُعْفِي الرجُلَ مِن تَعَب السَّفر لِيَكتُبَ لها ويَقول بدموعه: «مَعْذِرَة مَلِكَةَ الوَرْد، مَعْذِرَة مَلِكَةَ الإِحْسَاس على كل جرح أنا سَبَبُه وعلى كل دَمْعَة..».
نافِذَةُ الرُّوح:
«الْمَجْد لِمَنْ قال: الحَرْفُ عَبْدٌ لكِ».
«بين حرقتين أُقِيمُ مملكَةَ الحُروف».
«أَحْبَبْتُكِ بِدُموعكِ.. هكذا يَقول الأُفُقُ للغَيْمَة».
«مُقَيَّدٌ مَنْ لا يَسْتَسْلِمُ لِجَلاَّدِه».
«عاصمةُ الصمتِ تُضيء بِنَبْض قنديل البَحر».
«مِنْ غَرابَة الأطوار ما يُغَيِّرُ مَسارَ الأَقْدار».
«شَيْءٌ مِنَ الجُنون حِكْمَة».

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير