كتاب وأراء

المعلم

حدث هذا في مدينةٍ كنديةٍ.
يمتلك أحد الشبان مركزاً رياضياً «جيم» في إحدى ضواحي المدينة، وقد زوّده بالإحتياجات اللازمة، والفنيين المتخصّصين، بحيث جعله منافساً لأرقى المراكز المماثلة في المدينة. لكن الشاب كان «معجباني» حبّتين، و«مستظرف» حبتين كذلك، بحيث راح يُرخي سماجاته، وقلّة أدبه على البنات العاملات معه، وهنّ لا يتذمَّرن من تجاوزاته تلك، ربما بسبب الحاجة، وربما لأنه كان يتوقف عند حدودٍ لا يتجاوزها.. وبدا طبيعياً أن يكون المركز كامل العدد في فصوله المختلفة..
ذات يومٍ اشتكت شابةٌ صغيرة السن (أربعة عشر عاما) إلى أمها من أن صاحب الجيم تحرّش بها بعباراتٍ نابيةٍ.. لم تطق الأم،الموظفة في دائرةٍ حكوميةٍ سماع ذلك، فاصطحبت ابنتها إلى المركز الرياضي، وقابلت صاحبه، وانهالت عليه موبِّخةً، إلا أنه أنكر أيّ شيءٍ، لكن الفتاة استشهدت بمدرِّبةٍ كانت قريبةً منها وقت تحرُّشه، وأكّدت المدرِّبة (التي تتقاضى مرتبها من صاحب المركز) دعوى الفتاة، مما عزّز موقف الأم،التي أرادت أن تمضي بدعواها للسلطات القضائية، حيث ينال عقابه.
حينما انصرفت الأم وابنتها، قام صاحب الجيم بإنهاء خدمات المدرّبة، التي أجابته: أنت الخاسر، ومضت تبحث عن عملٍ في مركزٍ رياضيٍّ آخر، ووفِّقت، ولكن في مركزٍ متواضع الإمكانات. قامت بالاتّصال بتلاميذها وتلميذاتها في المركز السابق، وأقنعتهم بالانضمام لفصولها، في مكان عملها الجديد، واعدةً إياهم بالخدمات والتسهيلات، والرسوم الأقل، ونجحت في ضم عددٍ كبيرٍ منهم.
هنا تنتهي قصة «ديبي» المدرّبة الرياضية التي التزمت بالشهادة غير عابئةٍ بأية عواقب قد تكون سلبيةً بالنسبة لها.
هذه السيدة التي تجاوزت الثلاثين من عمرها، قالت كلمة حقٍّ في وجه رجلٍ فاسدٍ، وهي لم تستمع لوعظٍ أو فتوى، وتحليلٍ أو تحريمٍ، هي تعلمت أن تكون شجاعةً في الحق، وأن تميز بين الصواب والخطأ، دون أن تلبس مسوحَ الوُعّاظ، أو تخشى ناراً أو تطمع في جنةٍ..
الجنة والنار في مواقفنا في الحياة الدنيا، وفي عواقب أعمالنا، وفي التزامنا بتجنّب ما يضرّ المجموع، وعمل ما ينفع الناس..وأعتقد أن الديانات جميعها قامت على فضائل الأخلاق.. وكما تعلمنا، فإن رسولنا الكريم (صلوات الله،وسلامه عليه وآله) أقرّ قِيَماً أخلاقيةً تواضع عليها العرب في جاهليتهم،وهو القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ليت دعاتنا ووُعّاظنا الأجلّاء يدركون أننا - وبمختلف مِلَلِنا وعقائدنا- ندرك ذلك، ولسنا في جاهليةٍ من أمرنا، وينصرفون لأن يكونوا قِيَماً مثاليةً في أقوالهم، وأفعالهم..
نحن نبحث عن القدوة، فهي المعلم الأول.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل