كتاب وأراء

الوجدان السوري المريض

من المدهش، بالنسبة لقسم كبير من السوريين، أن تمشي فصائل عسكرية سورية تحت العلم التركي، وهي تتوعد سوريين، يقيمون في أرض سورية بـ(الدعس) والموت، وتهلل لتحرير قادم لهذه الأرض السورية، المدهش أكثر، كان الفيديو الحماسي الذي انتشر قبل ايام لإحدى هذه الفصائل، وهي تتحضر لغزوة عفرين وتحيي أردوغان والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، كان في الفيديو إياه، استعادة لكل المجازر التي حدثت بحق المكون الكردي في منطقتنا، كانت حلبجة ظاهرة في الفيديو، وكأن المهللين يعدون الأكراد في عفرين بحلبجة جديدة، قادمة إليهم في الطريق.
الغريب أن يبرر السوريون المؤيدون لقرار أردوغان موقفهم، بأن عفرين محتلة من قبل فصائل الآبوجية التي احتلت قرى عربية وهجرت أهلها، وتسعى لإقامة فيدرالية كردية على أرض هي من حق العرب، وأن الآبوجية وفصائل كردية عسكرية أخرى تحالفت مع قوات التحالف الدولية بقيادة أميركا، واستعانت بقوات أميركية لضرب الفصائل العسكرية العربية الإسلامية، لا ينكر أحد ذلك، ولكن من الغباء في مكان، أن يظن أحد أن تركيا قادرة على التدخل العسكري في سوريا، حيث تتواجد القوات الأميركية وقوات التحالف والقوات الروسية، بدون موافقة ورضا دولي على تدخلها.
أن ايا من هذه الدول التي تضع ثقلها العسكري في سوريا تريد مصلحتها أولا. بهذا المعنى، هل يختلف تبرير المتحالفين مع أردوغان، عن تبرير قسم آخر من السوريين للوجود الإيراني العسكري أو للاحتلال الروسي لسوريا؟ هؤلاء يبررون قصف المدن والبلدات السورية وتشريد أهلها ويهللون لذلك، لأن هذه المدن والبلدات، في رأيهم، يحتمي بها، مسلحون وفصائل جهادية مدعومة من قوى خارجية تريد تدمير سوريا وتقسيمها، نفس المنطق تماما يستخدمه الطرفان، ونفس الوجدان المضروب، أخلاقيا ووطنيا، «يتمتع» به الطرفان، هذا الوجدان، إن صحت تسميته كذلك، الذي لا يعرف من الوطن سوى محيطه أو طائفته أو مذهبه أو دينه، أي مصلحته ما قبل الوطنية، والذي لا يؤرقه أن يقتل قسما من شركائه في البلد أو يشردون أو يهجرون، فهو أصلا لا يعتبر أن الوطن شيء مستقل عن مذهبه أو طائفته أو قوميته. أليس من المدهش أنه بعد سبع سنوات من الدمار والموت اليومي والخراب العميم، لم يحاول السوريون أن يبحثوا عن المعنى الحقيقي للوطن؟! ألا يجيب ذلك عن السؤال الملح حول سبب بقاء نظام الأسد قائما حتى اللحظة رغم ما ارتكبه من جرائم بحق سويا ككل؟ لو كنا كسوريين ندرك معنى الوطن فعلا هل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ لو أن الحرب وما تجره معها من خراب علمتنا ما هو الوطن، هل كنا ننقسم في ولاءاتنا بين الدول التي تبحث عن مصالحها؟ هل كنا نبدو كمرتزقة لدول لا تعنيها أرواح ملايين السوريين مادامت هذه الأرواح يمكن استخدامها في بورصة السياسة والاقتصاد؟.
ما الذي يمكن أن يريح نظاما مجرما كنظام الأسد، أكثر من أن ينسى الشعب فكرة المواطنة والوطن، ويتغاضى عن الاحتلالات المتعددة طالما تتناسب مع فكرته عن الهوية؟ وهل سننتبه -نحن السوريين- إلى ما نحن فيه قريبا، ونعود لنفكر بهويتنا الوطنية أم سنبقى مرتاحين أن ضميرنا الوطني نائم ولا يلقي بالا بكل ما يحدث؟.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران