كتاب وأراء

نُقَبِّل السياط التي تَجْلِدنا

بَعْض الآلام نَتَآكَل تحت وَطْأَتِها ولا نَصرخ، لا نُجَرِّبُ أن نَصرخ، فهي آلام عليها أن تَظَلَّ سجينةَ قُلوبِنا، تَفْتر رغبتُنا في التصريح بها ولا تَفتر رغبتُها في الصراخ..
صَدِّقْ يا صديقي أن مِن الآلام ما يَجعلنا نَموت في صمتٍ كِتْمانا وحرقةً لا نَقْوى معهما على قول «آيْ».. نَموت نحن ولا تَموت آلامُنا..
آلامُنا الدفينة، تِلك هي الآلام التي تَجلد قلوبَنا، ونَتَحَمَّلُها خاضعين، بل أكثر مِن هذا قد نُقَبِّلُ السِّياطَ التي تَجلدنا إن كان مَن يَحْمِلها أولئك الذين تَركع لهم قلوبُنا حُبّاً وعِشقا ووَلَهاً..
هِيَ آلام، آلام نَرى أن التصريحَ بها خيانةٌ لِمَنْ نُحِبُّهُم، لذلك نلجم لسانَها، فتَظَلّ أسرارا دفينةَ الروحِ، والروح خَزَّان لِكُلّ ما خَفِيَ وبَان..
شَيْءٌ مِن الحُبّ يُبَنِّجُ آلامَنا، وشيء مِن الألم لن نَسمحَ له بأن يَقطعَ رأسَ الحُبّ ويَصلبَ أَنفاسَه على باب الزمن..
قصيدةٌ حزينةٌ هِيَ الحياة، حزينةٌ هِيَ القصيدةُ مَهْمَا تَقَدَّمَها مِن أبيات غَزَل ونَسِيب، فما يُضْمِرُه سائر أبياتِها مِن بُكاء على أطلال الروح لا يُغْرِي برحلةِ ذَوَبَان في مَلَذَّاتِها، فتِلْكَ الْمَلَذَّاتُ التي تَعْرضُها الحياةُ سرعان ما تُصَيِّرُها التجربةُ المرَّةُ مَذَلاَّت..
مَذَلاَّتُ الحياة تَلْوِي عُنُقَ رغبتِك فيها، وإذا كُنْتَ في سابق الوقت تَنْحَني إعجابا بقُشور بُرتقالةِ الحياة وانبهارا ببَريقِها الْمُزَيَّف، فإن ظَهْرَكَ سرعان ما يَنْحَنِي انكسارا مِن فرط قسوةِ عصا الزمن وبَطْشِ يَدِه..
يَدُ الزمن جَبَّارةٌ، لا تَعرف غير القسوة والقسوة والقسوة، وأنتَ لن تَعرفَ غير الاستسلام والاستسلام والاستسلام، ولن تَخرجَ أنتَ عن السمكة التي سيَخونُها أن تَستعرضَ عضلاتِها وهي تَسْتَحِمُّ في مِقلاة الزمن..
الزَّمَنُ الأعمى لا يَرى أكثر مما يُريدُ أن يَرَى، ولهذا يَتراءى لك أنتَ الزمنُ بَحْراً يُزَيِّنُ لكَ الوَهْمَ ويَعِدُكَ بمواسم الحُلْم، تَفتح أنتَ عينيكَ وفَمَكَ أكثر فأكثر لا لِتَقبضَ على الحُلم كما يُسَوِّلُ لكَ شيطانُ رغبتِكَ، إنما لِتَنْزَلِقَ قَدَماكَ في البحر المالح..
سَرابٌ ما تُمَنِّي به نَفْسَكَ وأنتَ تَسبح وتَسبح طمعا في قطرةٍ مِن عَذْب الأيام، لكنَّها الآلام تَقِفُ لكَ بالمرصاد..
الآلامُ تُراوِدُكَ عن نَفْسِها قائلةً: «تَهَيَّأْتُ لَكَ»، وأنتَ عديم التجربة ناقص الخبرة يُصيبكَ ملحُ الحياة بانسداد الشرايين التي تَسمح لدماء الحياة بالمرور..
أَهَذِهِ هي برتقالةُ الحياة التي أَغْرَتْكَ بقُشورها ولونها الذهبي؟!
مُزَيَّفَةٌ قشورُ الحياة، ومُرٌّ لُبُّ برتقالتِها، وأنتَ العاتيةُ رغبتُكَ فيها يَصعقكَ تيارُ كهربائها تحت خطّ مُعامِله السالب، فتَمضي خائرَ القوى فاقدَ الغريزة، ولا تَجِد أمامك إلا أن تَتَرَحَّمَ على غريزة حُبّ الحياة..
بين جرّةِ آمالِكَ المحطَّمة ومارِد آلامِكَ الذي لا يَنام، تَفرِكُ أنتَ عينيكَ مرارا، ولا تُصَدِّقُ، لا تُصَدِّقُ أنكَ حَيٌّ أنتَ الْمَيِّتُ..
نافِذَةُ الرُّوح:
«آخِر الْمَحَبَّة خُضوع».
«الوفاءُ لِمَنْ لا يَستحقُّ خِيانةٌ لِنَفْسِكَ».
«فِنجان قَهوة مُرَّة يُجَرِّعُكَ إياه القَدَرُ دَمْعَةً دَمْعَةً لِتَنْتَشِيَ لاحِقاً بِمَا تَتَعَلَّمُه مِن دروس في مَدْرَسَة الزمن».
«الحياةُ فَنّ، بِقَدْر ما تُبْدِعُ أسلوبَكَ الخاصَّ تَتَلَذَّذُ بها».
«شَيْءٌ مِن الصمت يُغْنِي عن الكلام».
«بَيْنَ الْمَلَذَّة والْمَذَلَّة ذَيْلُ رَغْبَةٍ يَجْلدُكَ».
«الحياةُ مَوْعِدٌ تافِهٌ مع أشخاص أكثر تَفاهة، مِنَ الحِكمةِ أَلاَّ يَشْغَلكَ عن لِقاء مَولاكَ لِتَركعَ له مَتَى نَادَاكَ».

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير