كتاب وأراء

التحوُّل نحو مزيدٍ من الاكتفاء

إنَّ الواقع يُجبرنا بعدَ يونيو 2017 على اتخاذ عددٍ من التدابير التي تكفل لنا مزيدًا من الاستقلال عن الواردات الخارجيَّة والاعتماد على الإنتاج المحلِّي لتغطية الاحتياجات الأساسيَّة للاستهلاك قدر الإمكان، فالمشكلة الاستراتيجيَّة التي نُعانيها اليوم جرَّاء الحِصار الجائِر على قطر من قبل الأشقاء وقطعهم الظالم للروابط الإنسانيَّة والحدودَ والأجواء؛ يُمكنها أن تتكرر في أي وقتٍ من الأوقات ومع أيِّ شقيقٍ أو صديقٍ سنعتمِد عليهِ لاحقًا ونتوسم فيه الخير من أجل مدنا بما نتطلبهُ من واردات سواءً كانت غذائيَّة أو دوائيَّة أو غيرها؛ من الواردات التي تحتاجُها قطر لسَدّ الاحتياجات المتزايدة لدولةٍ صاحبة رُؤى واستراتيجيات طموحَة وناميَة، ولتدارُك ما فرضَهُ الحصار من قطعٍ للواردات الوافدة من قبل منافذ دول الحصار الشقيقة وما يمكن أن يحدُث كذلك من سيناريوهات غريبة غير متوقعة مستقبلًا؛ علينا أن نبدأ مباشرةً في تنفيذ ما جاء في خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني؛ أمير البلادِ المُفدَّى والذي جاءَ فيه التأكيد على فتح الاقتصاد القطري لباب المبادرة والاستثمار وإنتاج الغِذاء والدَواء والتنويع في مصادِر الدخل.
إنَّ الأزمة الحاليَّة ساعدتنا كثيرًا في اتخاذ عددٍ كبير من القرارات، ورُبما يأتي قرار التحوُّل نحو مزيدٍ من الاكتفاء الذاتي؛ كواحدٍ من أهمِّ القرارات الذهبيَّة التي ستجعلُنا نراوِد النجاة من أيِّ تبعيَّة اقتصادية تحُلمُ بها أي دولة معادية، فالاكتفاء الذاتي سيتيحُ لنا حُريَّةً أكبر في اتخاذ القرار دون أيِّ ضغوطٍ خارجيَّة، وإنِّي أعتقد أنَّ طموحُنا الحالي صِحِّيٌ وواعدٌ جدًا، فالإنتاج القطري قادِر على العمل على توفير احتياجات السُكان ويُمكنُنا من خلال التخطيط الصحيح والتنفيذ التعاوني الشامل أن نُحقق هذا الطموح الوطني المطلوب في أقرب الآجال بإذن الله تعالى.
ولا يعني هذا الطموح بأيِّ شكلٍ من الأشكال القطيعَة الكاملة لعلاقاتنا التجاريَّة مع الدُول الأخرى أو حتى مُقاطعَة الأسواق العالميَّة، بل أعنِي بِهِ المزيد من تنميَة الاعتماد على الناتج المحلي القطري بالشكل الذي يضمَن أعلى مستوى ممكِن من الإشباع المقرون بالعمَل الوطني، فالحصار الجائر أدَّى إلى إغلاق معظَم المنافذ الجويَّة والبريَّة والبحريَّة وهدَفَ فيما هدَف إلى زعزعة الأمن القومي القطري وضرب الاقتصاد الوطَنِي في مقتل، وتعطيل استيراد السلَع من الخارج قدر الإمكان وتكَبُّد خطَر وصُعوبَة عمليات النقِل، لكننا وبفضل الله تعالى ثمَّ بفضل استراتيجيتنا الحكيمة قُمنا بتجاوز هذه المحنة التي حلَمَ بها الأشقاء في دول الحصار، وها نحنُ نخرُج باستراتيجية الاكتفاء الذاتي والتي ستقوم كذلك باستثمار الطاقات المُعطَلة في المجتمع والدفِع بها لإنتاج سِلَع مماثلة لما يتمّ استيرادُه من الخارج، وبذلك نكون قد توصلنا إلى تحقيق هدفين هامَّين هما: تفعيل الكوادر المحليّة وتنميتها للانخراط في هذه الاستراتيجيَّة والحدّ من أشكال البطالة المختلفة وفتح باب الاستثمار لرواد الأعمال الوطنيين بالإضافة إلى تنمية الإنتاج المحلي القطري؛ صناعيًا وزراعيًا.
إنَّ مطلب الاكتفاء الذاتي يحتاجُ إلى جُهدٍ علميٍ في التخطيط والدراسة الشاملة للقُوى البشريَّة العاملة في مختلف مجالات الإنتاج والموارد الوطنيَّة المتنوعة، فضلًا عن التحديد الدقيق للاحتياجات الأكثر أهميَّة في هذه المرحلة، ملتزمين بالحرص على الصالح العام ومُتصدين للسلبيين الذين يُحَقِّرُون دومًا من قُدرة الدوَل الطموحة على تحقيق اكتفائها الذاتي والذينَ يكونُ دومًا هدفهم هو تحقيق المزيد من الأرباح المتواترة عن طريق عمليات الاستيراد من الخارج، كما أنَّ الشفافيَّة مطلوبة في هذه المرحلة، فنحنُ أبناء الواقع، ونعلمُ جميعًا أنَّ هُناك فجوة كبيرة بين مُعدّلات الطلب ومُعدّلات الإنتاج، وقضيَّة الاكتفاء الذاتي هي أحَد روافد الأمن القومي؛ خاصةً بعد أن توسع هذه المفهوم وانتقل من إطار المُقاربَة التقليديَّة التي كانت قائمة على المفهوم العسكري والذي كانَ يُنظَر لهُ من قِبَل صُناع القرار والمخططين الاستراتيجيين على أنَّهُ القُوَّة القوميَّة الأولى؛ إلى مفهومٍ أكثر شموليَة وعصريَّة ليشمَل مختلف الأبعاد الهامة للدولة: سياسيًا، إنسانيًا، اقتصاديًا، غذائيًا...إلخ.
وعلى ذلك فإننا اليوم كما ذكرت في مطلع المقال مُجبرون على اتخاذ كل التدابير لتحقيق الاكتفاء الذاتي ونُطور لفلسفة وطنيَّة شاملة تأخُذ بعين الاعتبار كافة المتغيرات الداخليَّة والإقليميَّة والدوليَّة ضامنين بذلك بعون الله تعالى حقنا في الأمن بمفهومه الشامل، وفي ذلك يقول وزير الدفاع الأميركي السابق؛ روبرت ماكنامارا (شغل منصب وزير الدفاع من فترة الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عام 1961، حتى فترة الرئيس ليندون جونسون عام 1968م): «إنَّ الأمن يعني التطور والتنمية، سواءً منها الاقتصاديَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة في ظل حماية مضمونة، والأمن الحقيقي للدولة ينبُع من معرفتها العميقَة بالمصادر التي تُهدد مختلف قُدراتِها، ومواجهَتَها لمنحِ الفرصة لتنمية تلك القدرات تنميةً حقيقية في مختلف المجالات سواءً في الحاضر أو المستقبل».
قارئي العزيز، لقد أدركنا ببركة هذه المحنَة؛ حجم التحدِّيات التي تواجهُنا في الداخل والخارج، ووضعنا لعددٍ من الاستراتيجيات التي تلزمُنا لتنميَة قُوانا التي نؤمن بها إيمانًا تامًا، والتي بفضل تفعيلها بالطريقة المُثلي ستوفِّر لنا القُدرة الواقعيَّة على مواجهة أي تهديدات أو تحديات قادمة بالتصدِّي والمواجهة، وعلى سبيلِ المثال؛ لكَ أن تعلم أيُّها القارئ أنَّ قطر خلال السنوات القليلة الماضية؛ نجَحَت بشكلٍ لافت في إدارة ملفها الخاص بالمخزون الاستراتيجي للأمن الغذائي وتوسَّعَت في استثماراتها بهذا الخصوص في العديد من بُلدان العالم، بما يجعلها قادرة على تأمين احتياجات سوقها الاستهلاكي خلال السنوات المقبلة، علاوةً على أنَّ الدولة تتبنى خطةً زراعيةً استراتيجية، تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج الزراعي والخضروات بحلول العام 2030، وذلك من خلال الارتقاء بالصناعات الغذائية المحلية والحدِّ من الاعتماد على المنتجات المستوردة.
إنَّهُ يجِب علينا اليوم أكثَرَ من أيِّ يومٍ مضى أن نُعوِّل على أنفسنا أولًا وأخيرًا مستثمرين روحَ العمل الإيجابيَّة والدافعيَّة والتكاتُف في الإنجازِ والعَطاء لتكونَ نهجًا وقياسًا يُبنَى عليهِ مستقبل قطر القادم، وعلى الله تعالى الاتكال، «رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ».

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي