كتاب وأراء

ومــا الحـيــاة إلا أنــتَ


أسطورة الحُبّ الذي لن يَتكرر في حياة المرأة بَطلُها رَجُل.. وفي حياة كل امرأةٍ يَبقى هُو أول رَجُل.. قطعةٌ مِن قلبها هُوَ..هو كل شيء، وهي شيء منه.. منبع الحنان لها هُوَ، وبرّ الأمان هو.. الأرض هو، والسماءُ..السقفُ هُوَ..الجدار المتين هو.. الجدار المتين الذي تَتخذه المرأةُ سَنَداً، فلا تَسقط، لا تَسقط..هو للمرأةِ الألِفُ والياءُ، وما بينهما هو..
حياتها بائسة، فإذا به هو تُزَيِّنُها هي..
حياتُها سوداء، فإذا به هو تُلَوِّنُها هي..
حياتُها كئيبة، فإذا به هو تُعيدها هي إلى دائرة الفَرَح..
حياتُها بدون طعم، فإذا به هو مِلحُها والسُّكَّرُ..
تفاحةٌ هي، لكنها تفاحة بدون سُكَّر، فإذا به هو من يُضفي عليها ما يُعطي لكيانها معنى ووجودا يَضبط مزاجَ حالة اللا توازن..
بها أو بدونها ترى العالَمَ يَقف على قدم واحدة، وبالمِثل تَقف هي، فإذا به هُوَ هُوَ يُعيرُها ساقيه..
به تَبتَسم لها الحياة، والحظُّ بالْمِثل..
به تَغيبُ أحزانُها، وهو لا يَغيب.. لا يَغيبُ مهما غَيَّبَه الزمن..
قِطعةُ المورفين هو، كلما تَحَرَّك بحرُ أوجاعها كان لها الْمُسَكِّن، الْمُسَكِّن الذي يَسْكن الروحَ والوجدان، فكلما غابت النجوم عن سمائها قَمَرُهُ بان، بان وتَجلّى شمسَ منتصف الليل التي تَنحني لها الكواكب..
في كل دار تَرسم حدودَها الروحُ، نراه ضوءا يشعّ حُضورا، ويَغدو بارقةَ أملٍ يُحرك بركةَ الإحساس بالحياة، ذلك الإحساس الآسِن الذي لا أحد سِواه يُجدِي نفعا لإعادته إلى سيرته الأولى بضَربةِ سِمْسِم..
إنه الأب..
الأب صَرْح لا يَزول..
الأب قلعة تَحميكَ من عواصف الزمن وتَقلُّبات بَحره..
الأب لابنته مَدار الكواكب، وفَلَكُها..
الأب لابنته هو ذاك النهر الخالد الذي يَجري في شرايين حياتها ليمدها بسِرّ الخلود..
الأب صومعة، صومعة لا تَنحنِي..
الأبُ تاريخُ عظمةٍ وملحمةُ أخلاقٍ..
الأب قصيدة عمودية رَوِيُّها تاءُ التأنيث..
الأبُ مُعَلَّقَة منقوشة بماء الذهب على جدار كعبةٍ تُسَمَّى قلبَ ابنتِه..
الأبُ، يمكن للمرأة أن تتصور أن تتوقف حياتُها، لكنها لن تتصور هي يقينا أن يتوقف صنبور ذاكرة الصبر والرجولة والمواقف التي يَظَلّ هو دائما سَيِّدها..
الأب، يمكن للمرأة أن تُفَكر في أن تَغيب حياتُها، لكنها لن تُفكر في أن تَغيب بطولتُه في حياتها..
حين تُبَلِّلُها الحياةُ بقسوتها لن تَحتمي المرأة بمظلة أخرى سِوى الأب، الأب الذي لا يَنشغل بغير أن يُنْصِفَ ابنتَه مهما غاب عن الزمن أن يُنْصِفَه..
عَن الأب، عن الأب الذي نَعيبُ على مَن يَهمهم الأمر أن يخصصوا لقرينته يوما تُكَرَّمُ فيه بعيدا عنه، عن هذا الأب نَسأل مُطِلِّين من النوافذ المشرعة على حدائق الإحساس..
ماذا قالوا عن الرَّجُل الأول في حياة المرأة؟!
ماذا كتبوا عنه بحِبْر الحكمة؟!
وماذا سطروا بخصوصه في دفاترهم التي يَليق بها أن تُطْوَى إن لم تَكُن شمسُ حروف الأب تُشرق عليها من الدفة إلى الدفة كما تُشرق شمسه على ابنته من العين إلى العين..؟!
في كُلِّ دار قُبَّةٌ تَليق بأن تُنار.. وما القبة والنور سِوى وجهين لِعُملة واحدة: الأب..
واحد من رجال الدولة الفرنسيين الكاردينال ريشيليو RICHELIEU يُثمِّن عظمةَ الأب قائلا:
«لا يَغفو قلب الأب إلا بعد أن تَغفو جميع القلوب» (ريشيليو).
فما الحال وابنته أميرة الدلال التي لا تحجب صورتها الرقيقة عن عينيه هي مَن يُخَيَّلُ إليه أنها محط أطماع من تُسول لهم شياطين نفوسهم الأمارة بالإثم والعدوان أن تَهدم صرحَ الرقة وتنال بجبروت من قلب صغيرته التي تتراءى للقلوب الدائرة حولها رغدَ عيشها والقوت؟!
وهذا صاحِبُهم شكسبير WILLIAM SHAKESPEARE لا يَختلف في أن الأبَ الرجلُ رقم «1» في حياة المرأة:
«في حياة المرأة ثلاثة رجال: الأب وهو الرجل الذي تحترمه، والأخ وهو الرجل الذي تخافه، والزوج وهو الرجل الذي يحبها وتحبه» (ويليام شيكسبير).
وما احترامها له إلا مَدخَل مِن مَداخِل الطريق إلى قلبِه، ذلك الطريق الذي يُعَبِّدُه الأب بما يُنفقه من ثروة حُبّ يَختزنُها عمرُ الطفولة الذي يُجدِّد فيه الأبُ الإحساسَ بطفولته الضائعة..
أما الشاعر الألماني غوته JOHANN WOLFGANG GOETHE، فهو يَقف عند حجم الحقد الدفين الذي يكيله الرجُل للرجُل عندما يُنافسُه على موهبة تُثمنه أكثر فأكثر في عيون الرجال والنساء:
«الأب وحده الذي لا يحسد ابنه على موهبته» (يوهان وولفغانغ غوته).
فَمَن بالتالي هذا الذي سيُنَزِّه نَفْسَه عن الانحدار إلى مستوى الحقد الذي يُفضي إلى مُنافَسة غير شريفة؟!
إنه الأب، الأب الذي يَضَع مصلحة ابنه فوق كل مصلحة، ويُغَذِّي بتشجيعه رغبةَ ابنه في التميز وهو يقرر المضي قدما على جسر الموهبة..
الأب لا يغار ولا يحقد، فما بالك أن تَكون المحظوظة بحبه الكبير ابنته، تلك التي لو طُلِبَ منه أن يَتَصَدَّق بعينيه قربانا لآلهة الإلهام لَما تَأخر في أن يُبادِرَ قبلَ أن يُغادِرَ الإلهامُ..
عظمة الأب في قوته القاهرة لسُفُن الرغبة في النيل مِن فتاتِه..
قلب الأب واحد، فهو وإن كان يُقَيِّم المولودة الأنثى فإنه لا ينتقص من شأن المولود الذكر، لماذا؟! يُجيبنا بريفو ANTOINE FRANÇOIS PRÉVOST:
«قلب الأب هو هبة الله الرائعة» (بريفو).
قلبُ الأب بوصلتُه حكمتُه، وحكمة الأب في طريقته وأسلوبه اللذين يميزانه ويَجعلانه في العيون عطاءً إلهياً يُحْسَد عليه حين يتفوق في الفوز بقلب مَن يَستحق قلبَه الكبير بشحنة الدفء التي يُسَيِّرُها قانون الحكمة.
ولهذا وجدنا روسو JEA-JACQUES ROUSSEAU ما فتئ يُنادي بتقديس الأب في قولته الشهيرة:
«أب واحد خير من عشرة مربين» (جون جاك روسو).
قد تَخيب المدارس والمؤسسات التعليمية بمقرراتها ومناهجها وأساليبها التربوية ومؤطريها في غياب الأب، إنه دور الأب الذي لا يُعادِلُه دور، وهي كذلك مسؤولية الأب التي لا تُضاهيها مسؤولية..
يَفشل سِرب المربين بمجرد أن يَتخلف الأبُ عن السرب، ويُفْلِح الأب الواحد مهما تقلصَتْ حظوظُ الابن في أن يَستفيد من خبرات المربين..
ولأن كل فتاة بأبيها معجَبة فإن كل أب يَعلم علم اليقين أنه ينتظر من فتاتِه ما لا يَنتظره من فتاه..
الشاعر الفرنسي الشهير باسم نوفاليس NOVALIS بدوره يدلي بدلوه:
«ليس هناك مكان ينام فيه الطفل بأمان مثل غرفة أبيه» (فريدريك نوفاليس).
فالأب دائما هو ذلك الحضن الدافئ الذي لا يمكن للأمان أن يتسلل منه إلى الخارج هاربا، لماذا؟! لأن الأب عنوان الأمان..
قد تَخونك وسائل التدفئة الروحية ويَغيب عنك السبيل إلى مُدن السكينة إن لم تَقصِد أباكَ، ذلك هو الأب، الأب الذي يتخذ من ذراعه سقفا ومن صدره مَعْبَدا لا تتسلل إليه الشياطين..
الأب المسكين لا يُفكر في غير إرضاء البنين، وهنا لِنُنْصِتْ إلى ما قال ميننادر MÉNANDRE:
«ليس أرقّ على السمع من كلام الأب يمدح ابنه» (ميناندر).
ما قاله ميناندر ينطبق على الابن والابنة، فدائما فَخْرُ الأب أن يَرفَع من شأن أبنائه في العيون، ليس لنقيصة فيهم، إنما رغبة في الاعتراف بمُنْجَز أنجزَه، إنه صناعة رجل وامرأة..
حِرص الأب على مدح أبنائه ليس المراد منه التباهي أمام الملأ، وإنما المراد في المقام الأول تقييم تجربة الأبوة، تلك التجربة التي من البديهي أن يَعيشها كل رَجُل، لكن ما أبعد كل رجُل عن أعز ما يُطلَب في أبنائه..
المدح الرقيق للأبناء يَعمل بالْمِثل على الرفع من شأنهم، ومن ثمة تعديل سلوكهم لإرضاء هذا الكيان الحكيم الذي يُسمى الأب..
في مرآة المرأة تَراه هو الأب وَجْهَها.. ظِلّها الظليل هو عربون نجاحها.. شرفة روحها المضيئة هو.. وهو أغنيتها الحالمة وموسيقى أنفاسها الهاتفة بِاسْمِه حضورا وغيابا..
لو سألْتَها عن سِرّ تألقها، ستُجيبك المرأة: هو..
ولو سألْتَه عن الامتداد من خلال مَن تَقَفَّى خُطاه، سيُجيبُكَ: هي..
سعةُ قلبه تستوعب رحلاتِ أشواقها إلى مُدن الراحة التي يَرسمها على خريطة حياتها، وكينونتُها هو مَن يَهبها وقودَ الانبثاق والتوهج..
في كلمة واحدة هو لها الْمُلْهِم في قصيدة الحياة..
وهي باختصار تُمثِّل له الامتداد..
فَلْنُحَيِّه ولْنَتَيَمَّنْ بخُطاه هو من تَقول له زهرةُ أيَّامِه وزنبقة دُنياه: «وما الحياةُ إلا أنتَ».
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير