كتاب وأراء

في معنى الثورة الثقافية وراهنيتها في المشهد العربي

إذا كان مفهوم الثورة مفهوم سياسي بالدرجة الأولى بما يحيل إليه من تغير جذري يلحق بنظام سياسي معين فيؤثر على بنيته الهيكلية ويغير نمط ممارساته فالثورة تحمل معنى التحول إلى وضع مختلف وكما يقول كوندورسيه «إن كلمة ثورة لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية».

مما يعلمنا إياه التاريخ أن الثورات لا تتخذ مساقاتها النهائية إلا إذا تحولت من طور الحراك والانفعال الثوري في الشارع وتجاذبات السياسيين والحزبيين في المجالس لتصبح مشروعا عاما للتطوير والنهوض والبناء وهذا ما يفضي إلى أن الثورات لا تأخذ طريقها نحو الاكتمال إلا عندما تصبح مشروعا مجتمعيا تاما يندمج في ظله الجميع بمختلف تنوعاتهم ومشاربهم وأنماط تفكيرهم وتعبيرهم. لكن مفهوم الثورة كتحول نوعي وجذري يجد حضوره في مجالات شتى ولعله أصبح اليوم اشد رسوخا في المجال العلمي والتقني أكثر منه في أي مجال آخر(الثورة الكوبرنيكية الثورة البيولوجية والسيكولوجية والثورة المعلوماتية )، ففي الأصل أن الثورات السياسية الكبرى في تاريخ البشرية كانت رديفا للثورات العلمية والتقنية والتحولات على مستوى الأفكار والفلسفات والآراء فلسفة التنوير.
ومن المعتاد أن تتبادر إلى الأذهان عند ذكر الثورة الثقافية، التجربة الصينية فهي التي منحت هذا المفهوم مضمونا حتى صارت التجربة الصينية هي الثورة الثقافية ولكني اعتقد أن المفهوم أشمل بكثير من تجربة واحدة ليست محل إجماع من حيث قدرتها ونتائجها الفعلية في تغيير الثقافة السائدة. ونحن لا نريد أن نتذكر هنا أن أعداء التجربة الماوية لا يرون في ثورة الصين الثقافية إلا تصفية حساب مع خصوم سياسيين باسم الثقافة. فلسنا في وارد تحليل تاريخي. ولكن التاريخ يعطينا نماذج من ثورات ثقافية مختلفة وسابقة على الصين. كاختراع الكتابة وتصنيع الورق واختراع الطباعة. فقد غيرت التقنية من الثقافة أكثر مما غيرت السياسة. ونعتبر الصيني الذي صنع الورق أكثر تأثيرا من صاحب الثورة الصينية كما أن غوتنبرغ ومطبعته البدائية أكثر تأثيرا من غالب مفكري الثورات الثقافية.
نعني هنا بثورة ثقافية تحولا جذريا في مسارات التفكير والإنتاج والترويج الثقافي يستجيب لمثيرات تحول اجتماعي ويحفزها فيتحول من نتيجة للتغير المحيط إلى سبب له. فينتج ما يكفي من القطائع والتجاوز لينتج مشروعا جديدا ومختلفا. فالمطلوب إذن ثورة ثقافية تتفاعل مع الثورة السياسية التي تعيد تشكيل منظومات الفعل السياسي والاقتصادي والتنموي عامة وتعمل لاحقا على قيادته أو تقديم البدائل الجمالية له ولكن لسائل أن يحاجج ألسنا بصدد ثورة ثقافية بعد؟ أو بدقة أكثر إحراجا على ما سنثور في ثقافتنا العربية وهي التي شكلت وعاء للثورة وأعطتها شعاراتها ورموزها. وإذا كنت قد أشرت أعلاه إلى أن الثورات الثقافية الحقيقية كانت نتجت عن تطورات تقنية أكثر ما نتجت عن تفكير في الثورات فهل نحن بصدد تحول في التقنية حتى ننتظر تحولا في الثقافة؟
لا يتعلق الأمر هنا بدرجة أولى بتحول في التقنيات رغم أن استفادة الشباب العربي وعموم العرب من التقنيات الحديث في الاتصال وفي هذا الظرف بالذات كان أكثر مما أراد مصنّعوها وأكثر مما توقعوا بما يشي بثورة ثقافية كبيرة أدخلت الشباب العربي بسرعة فائقة في عصر التقنية الحديث ولكن إلى حد الآن كمستهلكين لا كمنتجين بما يجعل ثورتهم منقوصة وتحتاج إلى تحول جذري من المستهلك المستريح إلى المصنع المشغول بالتجديد. فالثورة المعلوماتية اليوم هي بصدد إرساء عالم مغاير وبالتالي بناء علاقات جديدة للإنسان بذلك العالم فهذه الطفرة الإعلامية تجعلنا نواجه اليوم عالما تعجز مفاهيمنا التقليدية عن استيعابه وعلى هذا الأساس فإن منطق التحولات المتسارعة يفرض علينا مراجعة طريقة تعاملنا مع المشهد السياسي والمجتمعي المتغير ويظل السؤال المركزي لأي ثورة ثقافية هل يمكن لثقافة بكاملها أن تتغير وتحل محلها ثقافة أخرى؟
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي