كتاب وأراء

سلام على بلادنا المنكوبة

حين انطلقت ثورات الربيع العربي في بداية عام 2011، كان الحامل الأول لها هو جيل الشباب، الجيل الممتد بين العشرينات والأربعينات من العمر، هذا الجيل هو من حرك الهمم المشلولة وبلل الحناجر اليابسة من قلة الاستعمال، هو من استنهض الحس الثوري لدى الأجيال الأكبر سنا، وأعاد صياغة الأحلام لدى المتقدمين في العمر، تلك الأحلام التي كان يبدو أنها قد اختفت تماما لفرط ما مر عليها من الزمن دون أن يتاح لها التنفس والظهور. امتلأت يومها ساحات العواصم والمدن العربية بالشباب الذين أعادوا الاعتبار لقيم منسية، أو حولتها أنظمة الاستبداد إلى مجرد شعارات تثير السخرية أو القرف لدى سماعها، كلمات كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، هذه القيم الكبرى، التي بنى الاستبداد منظومته كلها بالاتكاء عليها، عادت مجددا بفضل شباب العرب لتحرك الوجدان والضمائر الحية، ولتكشف عن الخراب الذي أصاب المجتمعات العربية بالعطب.
ومن الطبيعي أن الأجيال السابقة، بأحزابها وإيديولوجياتها وأفرادها، تلك التي عاصرت كل الهزائم العربية منذ عام 1948، وانكفأت إلى ذواتها وتقوقعت في كينونات مغلقة، أو تحالفت مع الاستبداد وأصبحت جزءا من منظومته العامة، من الطبيعي أن تشعر إما بالهلع مما يحدث فتسارع للارتباط أكثر بالأنظمة في سعيها للقضاء على الحراك الشبابي الثوري، أو أن ترى أحلامها قد عادت مجددا لتكشف عن نفسها علنا في الساحات والشوارع والميادين الكبرى، فتسارع للملمة خيباتها السابقة وتسعى لتسرق مبادرة الفعل والحراك من الشباب، بذريعة الحاجة إلى قيادات ثورية تملك الخبرة في العمل السياسي المعارض.
ما كانت نتيجة كل ما سبق؟ استطاعت الأنظمة، القديمة الباقية منها،أو المتغيرة بالإسم فقط، القضاء فعلا على الحراك الشبابي، فزجت بالشباب في المعتقلات، وقتلت أعدادا كبيرة منهم، وهجرت ما يمكنها تهجيره، وحولت من تبقى منهم إلى محطمين فاقدي الأمل بكل شيء بعد أن تحولت أحلامهم إلى دم أو رماد، وتحول المستقبل الذي توهج في لحظة ثورية إلى ظلام. هل فعلت أنظمة الاستبداد كل ذلك وحدها فقط، في الحقيقة، أن الانتلجنسيا العربية، والتي سرقت فعلا العمل السياسي المعارض من الشباب، شكلت بالنسبة للحراك الثوري الشبابي ما يمكن أن يسمى صراحة بالثورة المضادة، وهو ما مكن أنظمة الاستبداد وأدواتها من استعادة السيطرة على المجتمعات الثائرة، أو الاستمرار مع كل ما ارتكبته من جرائم بحق شعوبها وبلدانها، فقد فشلت كل مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية في بلدان الثورات، في تحقيق هدف ثوري واحد، وغرق معظمها في نفس الفساد الذي تعارضه في الأنظمة، وعجزت عن تقديم بدائل مقنعة عن الأنظمة الحالية، سواء لشعوبها، أو أمام المجتمع الدولي، ومارست الإقصاء الكامل بحق الشباب بذريعة السذاجة الثورية وانعدام الخبرة وإلى ما هنالك من ذرائع مكنتها منذ سبع سنوات من تقاسم الفعل السياسي مع الأنظمة التي تعارضها، ومن القضاء تماما على أي أمل لدى من تبقى طبيعيا من الأجيال الجديدة. هل ستتحمل هذه الأنتلجنسيا العربية المسؤولية ذات يوم قريب وتعترف بما اقترفته، وتبتعد تترك المجال للكوادر من الشباب العربي باستلام زمام الأمور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم نقول: سلاما عليك أيتها البلاد وعلى أحلام شبابك؟

بقلم : رشا عمران

رشا عمران