كتاب وأراء

بين نزيفين صهيل النهايات

القلبُ يَشْقَى في عالَم أعمى، عالَم لا يَرى مَن يَنزف دَماً ودَمعاً، وأنا وأنتَ يا قلب العالَم نَتَراشَق، نَتَراشَق بِمُكَعَّبات الحُبّ التي أَقْتَطِعُها مِن قلبي وأكوام طُوب اللامُبالاة التي تُسَدِّدُها أنتَ بِانْتِشاء في مَرْمَى قلبي، وسِواه مِن قلوب الموتى الأحياء..
الموتى الأحياء أولئك الأشقياء هُم مَن يَعصرون قلوبَهم إرضاءً لكَ يا قلب العالَم، لَكِنْ، لَكِنْ لا حياة لِمَنْ تُنادي..
أحزانُنا جَبَّارة، ومَن نَحْنُ؟! نَحْنُ مَنْ نَحْتَمِي بقُبَّة أُمَّةٍ مُختارة.. أحزانُنا طويلةُ الأمد.. أحزانُنا لا تُنْسَى، فَقَطْ نَحْنُ نَجْعَلُها تَتوارى خَلْفَ حائط قصير يُسَمَّى الصَّبر، الصبر الذي كاد يَتداعى مِن فرط اتكائنا عليه..
الصبرُ سَمِّه شجرةَ الحِكمة التي تُظَلِّلُنا على ضِفاف نَهْرِ السَّالكين للحياة، فإذا بِنا نَتَقَوْقَعُ تحتها، الشجرة، طالبين ودَّ مَنْطِقِها..
ترانا طَيْراً ضَلَّتْ طَريقَها إلى منطق الطير في غَيْر زَمَن فريد الدِّين العطار، وأنتَ يا زمن يا جَبَّار لا تَنْقاد ولا تَنْهار؟!
نَحْنُ العميان نَرى ما لا تَراه زرقاء اليمامة، لكننا نَعْجِزُ عن أن نَرى الحَقَّ، إمَّا لأننا نَكفر بالحَقّ قلا نَراه، وإمَّا لأننا لا نُريد أن نَراه.. ورُبَّمَا، إِنْ لم يَكُنْ يَقيناً، لأننا نَخاف أن نَراه..
خَوْفُكَ الأكبر أن تُلامَ لأنكَ رأيتَ الحَقَّ حَقّاً، وخَوْفُكَ الأكبَر بالْمِثْل أن تُلامَ لأنكَ رأيتَ الحَقَّ باطِلاً..
في بُحيرة الزمن يَتحول كُلٌّ مِنّا إلى نَرْسيس يَتأمَّلُ وَجْهَه، ولا يُصدِّقُ كَمْ هو جميل جميل، ولا غرابة أن نَرى في مِرآةِ النَّرْجِسِية ما لا يَراه الآخَرون..
قَدَرُ العيون ألاَّ تُؤْمِنَ بِما تَراه، وهذه فلسفة العيون الخائنة، العيون التي تُصوِّرُ للنَّفْس غَيْرَ حقيقةِ النَّفْس..
ترى، كَمْ يَلزمنا مِن غِياب وغَيْبوبَة لِنَكفر بالحقيقة ونُصَدِّقَ الوَهْمَ؟!
كَمْ يَلزمنا مِن صَفْعَةٍ لِنَسْتَفِيقَ مِن كابوس لا يَنام، لا يَنام مَهْمَا أَعَدْنَا فَرْكَ عيوننا لِنَتَيَقَّنَ أننا لا نَنام؟!
كَمْ يَلزمنا مِن يَدٍ بَطْشُها جَبَّارٌ جَبَّار في زمن التَّداعي والانهيار؟!
كَمْ يَلزمنا مِن أفْواه تَتَّسِعُ كحفرة جهنم لِتَضْحكَ ساخِرَةً مِن الدرجة الصِّفر لِوُجودنا نَحْن الذين لا نَكفر بِوُجودنا؟!
كَمْ يَلزمنا مِن مَناديل وفُوَط لِنُجَفِّفَ دُموعاً ودِماءً ما عادَتْ تُضْمِرُ حُضُورَها، وما عادَ الواحدُ مِنّا يَقْوَى على التعايُش معها إلا خائر القوى في انتظار لحظةِ الفَرَج الْمُستعصية إنْ لَمْ يَكُنْ تَرَقُّباً لِمَوْسِم التَّلاشِي وصَهيل النهايات؟!
سَنَتَيَمَّنُ بِمَنطِق أُمِّنا هاجر ونُفَوِّض أَمْرَنا لله لَنْ يُضَيِّعَنا الله..
نافِذَةُ الرُّوح:
«بَيْنَ الصَّفقةِ الرابحةِ والصَّفعةِ الذابحةِ رَغبةٌ في الحياة حَرْباً أو استعداد للمَوت حُبّاً».
«مارِدٌ جَبَّار يُسَمَّى الصَّمت في زمن التواطُؤ والانكسار».
«مِسْكين يا بُلبُل الحياة، لِمَنْ سَتُغَنِّي وكُلّ مَن حَولكَ صُمٌّ عُمْيٌ؟!».
«[نَحْنُ بِخَيْر].. مَنْ يُكَذِّبُ نُبوءةَ وادي الدِّماء؟!».
«أَشَدُّ البُكاءِ وَطْأَةً بُكاءُ العيون الجافَّة».
«لِلْقَمَر الفَتَّان الذي يُضْرِبُ عَنِ الضَّوء تَضامُناً مَعَ نَزْفِ السَّماء سَاُغَنِّي [قال القمر لأمّو]».
«يا خَوفهُ قُلْ لَهُ إن موسِمَ الْمَطَر سَيَرْحَل، وسَنَجْنِي الْحُبَّ والْحَبَّ».
بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير