كتاب وأراء

اطلبوا المثل ولو في الصين

عندما قرأت الخبر قلت: إن هذا مما يندرج في باب «صدّق أو لا تصدّق» هل هذا معقول؟ سكة حديدية حقيقية، تسير عليها القطارات الحقيقية، وليست سكة لألعاب الأطفال، طولها 246 كم، تم إنشاؤها خلال تسع ساعات، وكما توقعتم حدث هذا في الصين، ومن غيرها يفعل هذا؟ لكن شريط الفيديو موجود ومتداول في الإعلام ووسائط الاتصال. آلاف من العمال، ومئات من الآليات الضخمة، وهمّة وإصرار عاليان، وانتهت السكة في الزمن المحدد، وسار القطار.
وقلت لنفسي: لم تستغرب؟ فقبل فترة وجيزة قاموا بهدم الجزء العلوي من جسر، وأعادوا بناءه وعبدوه، وخططوه، وعادت السيارات تسير في الاتجاهين، واستغرق هذا 43 ساعة، واعتذر المنفـذون عن التأخـير بسـبب بعض العوامل المفاجئة، لأن الجسـر كان يجب أن ينتهي خلال 36 ساعة، والفيديو موجود أيضاً.
وقبل عام تماماً بنوا ناطحة سحاب (57 طابقاً) خلال ثلاثة أسابيع. هذه معجزة، لأنهم يجب أن يهيؤوا الأسـاسـات التي سـتحمل العمارة، ناهيك عن المصاعد، والكهرباء، والماء، والتدفئة والتبريد، وحساب مقاومة الريح والزلازل وغير ذلك، كيف؟ تطلبت عملية إنشاء البرج تحضير 2700 شكل قبل أربعة أشهر من البناء، وتقول الشركة إنها تمكنت من تحضير ما معدله ثلاثة طوابق باليوم الواحد، وقامت الشـركة بتجهيز مواد البناء وبالشـكل اللازم مسبقاً لتكون جاهزة لتركيبها فقط أثناء عملية البناء. وللمقارنة، انتهى برج «MINI SKY CITY» في الصين خلال 3 أسابيع بينما احتاج بناء برج «WALKIE TALKIE» في لندن، خمس سنوات. ويحتوي البرج الصيني على 800 شقة سكنية ومكاتب للأعمال تتسع لحوالي أربعة آلاف موظف. أما المشروع القادم فهو بناء ناطحة سحاب بارتفاع 828 متراً، خلال عشرة أشهر، وسيكون الأطول في العالم (أعلى من برج خليفة في دبي الذي تم بناؤه خلال أقل من ست سنوات) حتى انتهاء مشروع برج المملكة بمدينة جدة السعودية.
ويتألم المرء حين يقرأ هذا ويرى على أرض الواقع كيف يستغرق مشروع صغير (قد لا يساوي 1% وربما من ألف من المشروع الصيني) شهوراً ليتم إنجازه، وهو ليس أكثر من تعبيد طريق فرعي أو بناء عمارة صغيرة.
إن لدى الصين ما لا يتوفر في بلد آخر: جيوش من العمال قد تساوي تعداد سكان دولة متوسطة، أما فيما عدا هذا فإنها لا تمتلك ما لا يملكه الآخرون، سوى العزيمة والإخلاص والتفاني والرغبة في التميز. إن لدى الآخرين (ونحن منهم) الآليات الحديثة، والخبرات الهندسية والفنية، والتمويل الكافي، والأحوال الجوية الملائمة، فلماذا يحققون ما نعجز حتى عن أن نحلم به؟

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين