كتاب وأراء

الديمقراطية التونسية وانتهازية بعض الأحزاب

رغم أن الدستور التونسي الجديد الذي صدر منذ ثلاث سنوات كان مؤشرا لمرحلة الجمهورية الثانية فإن النخبة السياسية التونسية بدت أقل استيعابا لطبيعة المرحلة ونمط التحول السياسي العام الذي عرفته البلاد.
فمن خلال مراقبة المشهد السياسي يمكن أن نلاحظ ببساطة استمرار العقلية الاقصائية وحالة النوستالجيا لزمن الاستبداد التي تطبع جانبا كبيرا من النخب السياسية.
يكفي أن نذكر جملة من المواقف التي لا يمكن تفسيرها في غير هذا السياق وإلا كيف يمكن فهم تأييد الجبهة الشعبية اليسارية للانقلاب المصري الذي حصل في 3 يوليو 2013 حيث جاء بيانها الصادر بتاريخ 4 يوليو 2013 أن الجبهة تسجل «بكلّ فخر واعتزاز انتصار الشعب المصري على النظام الإخواني من خلال الإطاحة بالرئيس مرسي وحكومته، ومجلس الشورى، والتعليق المؤقت للعمل بالدستور الذي فرضه على الشعب وقواه الديمقراطية والمدنية» وقد جاء هذا الموقف في سياق الصراع ضد حكومة الترويكا حينها بما يعني أن الجبهة كانت ستهلل لأي انقلاب ضد خصومها السياسيين وإقصائهم عن المشهد السياسي دون أدنى اعتبار للعملية الديمقراطية الأمر الذي يثير أكثر من سؤال حول مدى إيمانها بالمشهد الديمقراطي التونسي.
ولم تنته مواقف بعض القوى السياسية التونسية عند هذا الحد بل تكررت زيارات النواب والشخصيات الحزبية التونسية إلى دمشق معلنة من هناك تأييدها للنظام الدموي الذي يقوده بشار الأسد، موقف نراه يتجدد في مناسبات متعددة من أعضاء في مجلس النواب الحالي ممن يعلنون وبكل صفاقة تأييدهم للنظام السوري والنظام المصري بل واندمج بعضهم ضمن سياق إقليمي عام لمحاربة الثورات العربية واعتبارها مؤامرة دولية لتدمير الدول العربية الأمر الذي يجعلنا نتساءل هل أن استفادة هؤلاء من وضع الحريات والمناخ التعددي هو مجرد استخدام انتهازي للمرحلة قبل الانقلاب عليها.
ووصل الحال إلى حد تصريح رئيس «حزب آفاق» ياسين إبراهيم لقناة محلية مؤخرا عن تفهمه لما حصل في مصر مؤكدا أن هناك ديمقراطية في البرلمان المصري، وأن هناك عدة نجاحات اقتصادية في عهد السيسي. هذه المواقف المتعددة لنواب ومسؤولين حزبيين من قوى مختلفة تتراوح بين الجبهة الشعبية اليسارية وصولا إلى حزب آفاق الليبرالي المفترض مرورا بمشروع تونس تكشف عن حالة من الفصام السياسي التي تحكم مواقفها بين زعمها المطالبة بالحريات العامة من جهة ودعمها لأنظمة استبدادية مظلمة من جهة أخرى بصورة تعبّر عن نوع من الانتهازية في التعامل مع الديمقراطية التونسية الناشئة. وإذا أضفنا إلى هذه المكونات مجموع القوى الحزبية التي تمثل امتدادا لنظام الاستبداد المنهار والتي لا تكف عن الحنين إلى زمن الطاغية بل وتتوعد خصومها السياسيين بالإقصاء والسحق (تصريح رئيسة الحزب الدستوري الحر الذي توعدت فيه بحل حزب النهضة)، يمكن أن نفهم لماذا تعجز الديمقراطية التونسية عن التقدم بشكل ثابت نحو بناء مؤسساتها وترسيخ أقدامها بشكل متسارع، غير أن هذا لا ينفي وجود قوى مدنية وحزبية تؤمن بالتعدد وتنشط ضمن مقتضيات الديمقراطية التي تؤمن بها وتعتبرها السبيل الأمثل لبناء حياة سياسية سليمة، قوى بعضها متشكل حزبيا وله تمثيليته البرلمانية والقسم الأكبر منها وإن كان خارج الانتظام الحزبي إلا أنه يتشكل ضمن الرأي العام الشبابي الذي فجّر الثورة ويدرك صعوبات المرحلة ويناوئ السلطة في خياراتها ولكنه يؤمن بالحرية والتعددية ولا يجعل من الاستبداد خيارا ممكنا وهؤلاء هم الرصيد الحقيقي للثورة التونسية والضامن الفعلي لعدم الارتكاس نحو النزعات الاستبدادية.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي