كتاب وأراء

الفظاعات البشرية عبر التاريخ

في زمن الرومان كان القياصرة ينظمون احتفالات جماهيرية في المسارح الكبرى، يأتون بها بـ(العبيد) المساجين ويتركونهم عزلا في قلب المسرح، ثم يفلتون أسودا ونمورا جياعا لتنهش في لحم السجناء الأحياء، مدرجات المسارح كانت تمتلئ بالبشر، أناس عاديون يعيشون حياتهم بشكل اعتيادي، وربما كانوا يعانون من ظلم القياصرة، ومع ذلك كانت صيحات فرحهم تتصاعد كلما أوغل الأسد في لحم ضحيته الحي، كما لو أنهم يشاهدون مخلوقات غرائبية تتصارع، كما لو أن السجناء لم يكونوا من جنس البشر!
حينما كانت الكنيسة الأوروبية تحاكم من يخالف تعاليمها أو تريد التخلص من أعداء مفترضين، كانت توجه لهم تهم الهرطقة وممارسة السحر والشعوذة، عقوبة هذه التهم كانت حرق المتهم وهو على قيد الحياة، كانوا يربطون المتهم/ ة إلى عمود ويضرمون النار في الحطب المحيط به، عمود الحرق كان دائما ينصب في منتصف ساحة كبيرة، يتجمع الناس حوله بحلقة مغلقة، أناس عاديون يعيشون حياتهم بشكل اعتيادي، كانت هستيريا السعادة تعلو في صراخهم كلما أكلت النار جزءا أكبر من اللحم الحي وانتشرت رائحة شواء الجسد البشري أكثر فأكثر. بنفس الطريقة كان الناس يتجمعون ويهللون لمشهد قطع الرؤوس بالمقصلة، هذه الأداة التي تم اختراعها إبان الثورة الفرنسية، وحصدت رؤوس منظري الثورة أنفسهم.
يمتلئ التاريخ البشري بمثل تلك المشاهد، ذات يوم تم حرق ابن رشد مع كتبه بكاملها، كان الناس يتجمهرون حول الرجل الذي يحترق ويكبرون باسم الله، ويزداد تكبيرهم بازدياد ألسنة اللهب! قتل الكثير من العلماء بهذه الطريقة أو تلك، ودائما ثمة جمهور متحلق يشاهد بأم عينه ما يحدث ويهلل له فرحا، وتتعالى صيحاته الجزلة كلما كان العقاب أكثر بشاعة وبطشا.
السنوات السورية السبع الأخيرة امتلأت بهذه المشاهد، في الأماكن التي تم احتلالها من قبل الكتائب السلفية الراديكالية، قطع رؤوس وحرق وصلب ورجم حتى الموت في ساحت المدن السورية، وداما في الفيديوهات والصور المسربة نرى جمهورا كبيرا يقف ويشاهد ما يحدث وتتعالى منه صيحات التكبير، ودائما ثمة أطفال بين الجمهور، هنا، وفي أحداث التاريخ البشري، الأطفال جزء أساسي وملفت في المشهد، وكأن سلالة التشفي في القتل يجب ألا تنقطع.
في عالم الفيسبوك السوري لا يختلف الأمر كثيرا، هناك دائما من يهلل للقتل الوحشي، كلما ارتكب النظام أو حلفائه مجزرة بحق قسم من السوريين، نجد القسم الآخر يبارك ويطالب بالمزيد، وكلما ارتكب فصيل من الفصائل المسلحة مجزرة بحق جهة تابعة للنظام، سمعنا التكبير والتهليل والمطالبة بالمزيد، في خلافات الكتائب المسلحة وقتالها على احتلال المحتل أصلا من المدن والبلدات السورية، يتم ارتكاب الفظائع، وجمهور الأطراف المتصارعة على الفيسبوك يهلل ويطالب بالمزيد.
لا يهلل السوريون على الفيسبوك للمجازر الكبرى فقط، بل حتى للحوادث الفردية المشينة.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران