كتاب وأراء

فناجين ليل التجربة

بِقُلوبٍ مُعَلَّقَة على عَمود الواقع، الواقع المنشور على حبال الشِّعر، نَفتح نافذةَ التأمل لتَكون مشرعة على صلوات قِدِّيس كبير، صلوات بطلُها الحَرف..
«بين حرفين» يَضرب لنا موعداً مع قِدِّيس والْمَعْبَدُ الحَرف، قِدِّيس مَرَّغَتْهُ الأيام في تراب العواصِم تحت وَقع سِياط ضمير الإنسانية النائم..
إنه عبدالوهاب البياتي، ومَن لم يَسمع عن قامة شعرية يَنحني لها أتباع طريقته في الشِّعر والشِّعر هنا كعبتُه التي يَحجّ إليها طُلاَّبُ مدرسة الواقع، تلك التي يَعرف البياتي الشيخ كيف يُرَبِّي أتباعَ طريقته فيها على فُصول التجربة الْمُرَّة..
التجربة بحر، بحر عميقة دموعه، ولا يوجد بحر حقيقي بجبروته يقوى على لملمة الدموع التي أفرزتها التجربة:
«والبحر لا يقوى على غسل الخطايا والدموع» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
تجربة الشاعر البياتي ليل مُرَّةٌ فناجينه التي يَسكبها لكَ فنجاناً فنجاناً، لكنه يُعَلِّمك على طريقة الكبار كيف لِسِحر المعاني يَنحني لليل النهار..
بين الاستسلام والتحدي قصةُ عِناد ومُكابَرة تَكشف تَفاصيل أوراق الْمُغامَرة، إنها المغامَرة الشعرية التي تُخفي أكثر مما تَقولُه عناوينها:
ملائكة وشياطين، أباريق مهشمة، كلمات لا تَموت، الموت في الحياة، النار والكلمات، الكتابة على الطين، أشعار في المنفى والبحر بعيد أسمعه يتنهد.
البحر، بحر الشعر، يَتنهد بآهات تأتي وليدةَ التجربة البياتية التي راهنَتْ على الثورة على كل ما يُملى دون احترام لأخلاقيات أو معيار أو قانون، ومتى؟! في وقت كَثُرَ فيه الذئاب، وكذلك كَثُرَ الذباب..
الذباب والحمير لهما قصة في شِعر عبدالوهاب البياتي، بل لِنَقُل إن الشاعر يُرَقِّيهما ليضطلعا بأدوار أَهَمّ بكثير من تلك التي يُمارسها الواحد منهما في مسرح الواقع:
«الشمسُ، والحُمُر الهزيلة، والذباب» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
يا للسخط!
أي مَشْهَد هذا الذي يَشْمَئِزّ له القلبُ وتَنتفض بسببه العينُ؟!
وأيّ مهزلة هذه التي يَكون بطلها الذباب تحت نير شمس تَلعن موطئَ أقدام الحمير التي تتراءى للناظر كأنها تَستحق أن تُرْشَقَ بِطُوب الكلمات القَذِرَة قذارة الذباب نفسه الذي يتواطأ مع الحمير ضِد رغبة العابرين للسوق؟!..
ولْنَتَصَوَّرْ مرارةَ إحساس الشاعر بقلبه الثائر على حال القرية الْمُنْهَكَة الأفئدة، وأيّ أفئدة ستَكون غير أبنائها الراضين مُجْبَرين عن اللاشيء..
العَدَم عنوان لوجود أهل القرية، والشمس بقسوةِ حرارتها تَأكل الجلدَ الملتصق بالعظم كما يأكله الذبابُ تماما..
قذارة تملأ زمناً ومكاناً مساحةَ الفضاء، وذباب يقاسم زملاءه من الحمير البطولةَ ويُسَيِّج الأرض والسماء! أثَمَّة مَشاهِد مُقَزّزة تَستاء لها النفسُ أكثر مِن هذه؟!
تلك عوامل بيئية ما فوق طبيعية تَغتال إنسانية الإنسان، وأين؟! في مكان يُقال إنه سوق، سوق تتطايَر فيه تنهدات ما تَبَقَّى من هيكل إنسان، تنهدات تؤازِرُ رعشةَ دمه المحروق..
لا معنى لوجودك يا إنسان في زمكان أنتَ فيه تُهان، والمسكينة إنسانيتك تُغتال على مرأى ومَسمع.. حقا ما أسهل أن تُغتال إنسانيةُ الإنسان في زمن الخيانة!
«وحذاء جندي قديم
يَتداول الأيدي، وفلاح يُحَدِّق في الفراغ:
في مطلع العام الجديد
يداي تمتلئان حتما بالنقود
وسأشتري هذا الحذاء» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
أي زمن هذا الذي يَسلبك إرادةَ المنفعة؟!
كل شي تَراه يَزهد فيكَ، بل لا تُمَنِّ نَفْسَكَ حتى بما زهد فيه غيرُكَ.. صيف الْحُلم بسخاءِ دفئه لا يَليق بك، فلا تَحلمْ برغيف جاف يُسكتُ صراخَ أمعائك، ولا تَحلمْ بحذاء قديم يَستر قدميك الحافيتين ويُذَكِّرُك بأمجاد تاريخ البطولة في زمن السقوط..
في زمن الخيانة لستَ أنتَ في حاجة إلى شمعة تسمى القلبَ، شمعة تَبكي في صمت وتتآكَل احتراقاً في صمت، لكنْ لا يرثيها صَوت..
القلب شمعة تَحكم على نفسها بالعمى شيئا فشيئا لِتُضيءَ لِمَنْ لا يَستحِقّ، وقلب هذا الإنسان الْمُعَذَّب لا يَكْذِب ولا يُكَذِّبُ نُبوءَتَه..
فهل حقيقةً يوجَد مَن يَستحِقّ أن تَحكمَ على نفسك بالعمى لِتَأخذَ بيده إلى أن يُبصرَ الطريقَ؟!
لِنَقُل إنه البوصلة التي تُحَدِّدُ خَطَّ اتجاهك، ضميرك، ضميرك المحمول بين ضِفَّتَي صوته وسَوطِك.. ولصاحبنا عبدالوهاب البياتي صولات وجولات في محاكمة الصوت الغائب صَوَّرَتْها قصيدةُ حياة ألهبَتْ سوقَ الضمير..
مِن عين إبرة الشعر يَرى عبدالوهاب البياتي الحياةَ، والحياة في عيني شاعرنا لا تَخرج عن سوق، والزمنُ العربي على حدّ نقطة تموقعه في رؤية الشاعر قرية تَأكلها القذارة..
«والسوق يقفز، والحوانيت الصغيرة والذباب
يَصطاده الأطفال، والأفق البعيد» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
خريطةُ مؤثثات سوق الحياة تَفرض لخطى الإنسان حيزا من الزمكان لا تُخطئه تكهنات العين الشاعرة، كُلٌّ يأخذ مكانَه في نقطة ما، كُلُّ ما/ مَنْ يَخطر على بالك وكُلُّ ما/ مَنْ لا يَخطر ستَراه يُشتَرَى ويُباع في زمن غياب الأسياد وحضور الأتباع..
تجربة عبدالوهاب البياتي تَراها في مرآة الواقع تَكشف وتُعاين وتَفضح وتُعَرّي وتُسائل.. ولذلك يَأتي حصاد موقفه الشعري محملا بالرسائل..
«لن يُصلح العطار ما قد أفسد الدهر الغشوم» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
شمسُ الحلم تَهوي وأباريق الأمل في موعد مع الفرح تَتَهَشَّم:
«والحاصدون المتعَبون:
زرعوا ولم نأكل،
ونزرع صاغرين فيأكلون» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
صرخة يُطْلِقها الشاعر من أبعد نقطة في القرية، قرية الصمت على الموت، والحياة قرية. صرخة الاعتراف مُدَوِّية، فلا معنى لحياة الكادحين الذي يُرهقون عيون القرية الحزينة، القرية التي تَبكي رجالَها..
رجال القرية لم يَجنوا شيئاً تَطمح إليه نُفوسهم، فالأيامُ الماضية بخلَتْ عليهم بحقهم في الحياة، والأيام التالية عصرَتْ قلوبَهم وامتصَّتْ عَرقَهم دون أن تَتَصَدَّقَ عليهم بما يُطفِئ ثورةَ الجوع..
لا شيء يُشَجِّعُ على البقاء، ولا مجال ليُسَوِّلَ لك ماردُ الرغبة في حياة تَحترم آدميتك أن تَبيع نفسَك لشيطان المدينة:
«والعائدون من المدينة:
يا لها وحشا ضرير
صرعاه موتانا وأجساد النساء» [عبدالوهاب البياتي، سوق القرية].
باب المدينة لا تَتظروا أن يفتح في وجوهكم يا رجال القرية النائمة، وكل من يتسلل إلى علب المدينة، والمدينة ليل لا آخِرَ له، سيكون مصيره مِن مَصير مَن جَنَى عليهم بطشُ يَد المدينة بعد أن امتَصَّتْ آخر قطرة من دمائهم..
المدينة غُول، يأكل ولا يَشبع من الإلقاء بهياكل الرجال، رجال القرية، خارج مدار تفكيره، يَكفيه ما يَحلبه من أجساد النساء اللواتي يَذبلن قبل الأوان.. هؤلاء وأولئك ليس لهم إلا حضن مقبرة الزمن..
عبدالوهاب البياتي يُنَوِّعُ الكلامَ على لسان شخصياته التي يَنتشلها من قلب القرية، وها هو قلب القرية القاسي على أبنائه لا يَعرف إلى الرحمة طريقاً..
عقارب ساعةِ الشِّعر تُشير إلى منتصف ليل التجربة، إنها تجربة عبدالوهاب البياتي، عبدالوهاب الْمُعَلِّم الذي وجد في الزمن الْمُعَلِّمَ الشيخَ الأكثر خِبرة، وبالمثل الأكثر تمرُّنا على فَنّ العقاب وإغراق تلاميذ مَدْرَسَة الحياة في بَحر العذاب..
صَدِّقْ يا صديقي أن الحياةَ بحر مالح.

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير