كتاب وأراء

مأزق أخلاقي خطير

من المآزق الأخلاقية الكبرى التي وقع بها السوريون، نتيجة الإجرام غير المسبوق لنظام الأسد، والذي يمارس عليهم من سبع سنوات تقريبا دون توقف، هو فقدان الهوية الوطنية الجامعة، بشكل نهائي، والاحتماء بانتماءات وهويات ما قبل الوطنية، وفقدهم فكرة الوطن، من حيث هو المكان المؤطر بمساحة وحدود وسمات خاصة، تميزه عن باقي البلدان - وتمنحه هذا التناغم بينه وبين المنتمين له، بحيث يصبح أي اعتداء عليه هو اعتداء على لحم مواطنيه ودمائهم.
غير أن ما حدث في سوريا منذ سبع سنوات هو أن الوطن نفسه بدأ يعتدي على مواطنيه وينكل بهم ويطردهم ويشردهم، وليس في الكلام السابق أية مبالغة، إذ أن قسما كبيرا من السوريين انساقوا وراء فكرة تماهي الوطن بالنظام أو بالطائفة أو بالقومية، أصبح خروج آخرين عن النظام أو الطائفة أو القومية أو انتفاضاتهم ضدها، هي بالنسبة لآخرين خروج عن الوطن وخيانة له، يستحق فاعلوها الموت أو التنكيل أو الاعتقال أو التهجير أو النفي، بوصفهم خائنين للوطن، يحدث هذا في سوريا منذ سبع سنوات، بدأ الأمر مع فئة من السوريين مؤيدة للنظام ضد فئات أخرى خارجة عنه، شيئا فشيئا، امتلأت سوريا بفئات تخون الآخرين، الآخرون الذين لا ينتمون لنفس الطائفة أو لنفس الرؤية السياسية أو لنفس المنهج الفكري أو لنفس الفصيل العسكري أو لنفس البيئة الاجتماعية أو لنفس المدينة أو لنفس الطبقة، أو لنفس الإثنية، هكذا تحولت سوريا إلى مجموعات بشرية تعيش في كل أنحاء العالم وتنخر الخلافات عظمها، في الوقت الذي تنخرفيه الاحتلالات المتعددة الأرض السورية، وتصبح السماء السورية مسرحا لتجريب كل أنواع الطيران والحمم والصوايخ والقذائف التي تسقط فوق رؤوس من تبقى من السوريين المصرين على البقاء في أرضهم وأمكنتهم، رافضين مغادرتها أو التخلي عنها، ومتشبثين بحقهم فيها رغم كل محاولات التهجير المستمرة.
فقدان الهوية الوطنية وانتهاء فكرة الوطن الواحد الجامع، جعل السوريين يبدون كما لو أنهم في مأزق أخلاقي وتاريخي خطير، بل هم فيه فعلا، إذ أصبحت ولاءات غالبية السوريين تبعا لانتماءاتهم، ثمة سوريون يهللون للطيران الروسي والإيراني المحتل الذي يطلق صواريخ وقنابل محرمة دوليا على جيرانهم لأنهم من طائفة أخرى أو من طبقة اجتماعية أخرى، ثمة سوريون ينخرطون في الجيش المحتل التركي الذي يخوض معركة أرضية وجوية ضد سوريين آخرين لأنهم ينتمون إلى قومية أخرى، وثمة سوريون يساندون المحتل الأميركي في قصفه مدنيين سوريين لأنهم ينتمون إلى أيديولوجيا مختلفة، الطامة الكبرى هي في التهليل للقصف الإسرائيلي الذي يضرب البنية التحتية السورية بذريعة أنها مواقع للنظام، والحزن على سقوط طائرة إسرائيلية، إسرائيل التي كانت إلى وقت قريب هي العدو الأول للسوريين قاطبة، بعيدا عن أي أيديولوجيا، كان وعي العداء لها غريزيا إنسانيا، الآن لم تعد كذلك بالنسبة لبعض السوريين للأسف الشديد.
على أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية قبل أيام في دمشق كان كاشفا إضافيا للفصام الثقافي العربي، إذ فجأة انتبه هؤلاء أن سماء سوريا مستباحة، لكنهم لم يروا من هذه الاستباحة سوى استباحة إسرائيل، لا روسيا ولا إيران ولا تركيا ولا أميركا ولا الطيران السوري ببراميله القاتلة، كل ما فتك بالسوريين وقتلهم وشردهم وشتتهم وحولهم إلى أشلاء كان عاديا وربما يستحق السوريون الموت على يد هؤلاء، أما الموت على يد الإسرائيلي فيكشف المأزق الأخلاقي الذي يقع فيه العرب جميعا لا السوريين فقط.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران