كتاب وأراء

نشاط وعافية

نشاط وعافية

تتحول قطر اليوم إلى ملعب رياضي مفتوح، في تظاهرة فريدة تكرست بالقرار الأميري رقم «80» لسنة «2011»، والذي نص على أن يكون يوم الثلاثاء من الأسبوع الثاني من شهر فبراير من كل عام يوما رياضيا للدولة.
هذا القرار توّج مسيرة طويلة بذلتها قيادتنا على مختلف الصعد من أجل الارتقاء بالرياضة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من العملية التربوية، بل والتنموية، عبر إعداد الشباب وتأهيلهم والارتقاء بأدائهم.
كانت عملية طويلة ومكلفة، إذ أن النهوض بالرياضة، وإعداد المجتمع وتأهيله على هذا الصعيد يحتاج إلى جهود جبارة، وهي جهود تستحق العناء على اعتبار أن الرياضة هي مرآة المجتمعات في الدول الأكثر تقدما، بدليل أن هذه الدول هي التي تحصد أهم النتائج في الألعاب الأولمبية، وهي التي تحتكر الأرقام القياسية في مختلف الألعاب.
من المؤسف أن الدول العربية لم تهتم كثيرا بهذه المسألة، لذلك كانت النتائج مخيبة للآمال، وكل ما تحقق من منجزات كان مجرد نقطة في بحر، وبكل الأحوال فإن أي إنجاز لا يمكن أن يتم سوى عبر مراحل طويلة من الإعداد والتأهيل والبناء.
هناك فهم خاطئ في موضوع الرياضة لدى شريحة واسعة في مجتمعاتنا العربية، إذ أن الأمر برمته يتعلق بالمكسب والخسارة، لذلك لم يتم إنجاز شيء له مغزاه، على اعتبار أن الرياضة تربية وعادات وسلوكيات في المقام الأول.
هذا ما تنبهت له قطر، وعملت على تعزيزه فكان القرار الأميري رقم «80» لسنة «2011» بتحديد يوم رياضي للدولة هدفه الاحتفاء بالرياضة والتربية الرياضية وتحويلهما إلى سلوك عام قادر على بناء الأجسام وتأهيل الشباب لمختلف الأنشطة والأعمال التي سيمارسونها لاحقا.
القرار الأميري توج سلسلة طويلة من المنجزات الكبيرة، بدأت بإعداد البنى التحتية الضرورية، واستضافة الفعاليات الرياضة الكبرى والمشاركة خارجيا في كل الأحداث الرياضية المهمة، وبطبيعة الحال فإن استضافة قطر لمونديال «2022» سوف تشكل علامة تاريخية فارقة لقطر تؤكد أن مسيرتها وجهودها للاهتمام بالرياضة كانت تسير في الطريق الصحيح، وأن ما تحصده اليوم هو نتاج طبيعي وحتمي لما غرسته على هذا الصعيد.
وإذا كان المونديال هو الإشارة الأكثر أهمية على موقع قطر في الرياضة العالمية، فإن هذا الإنجاز الباهر ما كان ليتأتى لولا مجموعة كبيرة وواسعة من الجهود والمنجزات، كما هو الحال بالنسبة لـ «أسباير زون» التي تقدم عددا من أفضل مرافق التدريب الرياضي على مستوى العالم، لتساهم بخدماتها الفريدة في صناعة الرياضة الدولية. وتتعدد خدمات أسباير لتشمل، على سبيل المثال: الطب الرياضي والبحث والتعليم وصناعة الأحداث والفعاليات والبنية التحتية الرياضية، وقد استخدمت العديد من الفرق واللاعبين، الباحثين باستمرار عن التقدم المستمر نحو القمة، هذا الصرح الرياضي الكبير لإقامة معسكراتها التدريبية قبل مشاركتها بالأحداث الرياضية الدولية الكبرى مثل دورة الألعاب الأولمبية ودورة ألعاب الكومنولث.
ومن هذه الفرق فريق السباحة البريطاني والفريق البريطاني لألعاب القوى واللاعب الحائز على الميدالية الذهبية في رمي القرص جيرد كانتر، والعديد من الأندية العالمية في كرة القدم ونجومها المشاهير.
في نوفمبر «2016» تحدث توماس باخ، رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، عن النموذج القطري المميز في الاهتمام بالرياضة والرياضيين والاستراتيجية التي تعتمدها في الاهتمام بشبابها وأبنائها من خلال الرياضة وما تمثله من دعم للحركة الأولمبية من خلال جهودها للارتقاء بالأداء على مختلف المستويات، ومما قاله في افتتاح عمومية «الأنوك» إن «الرياضة في قطر لا تقتصر على وفد فريق أولمبي ناجح ولا على تنظيم أحداث رياضية كبرى، بل لكونها تلعب دورا رئيسيا في عدة مجالات وتعتبر مقياسا للدور الكبير الذي تلعبه الرياضة في مجتمعاتنا، ويمكن أن نرى هنا في الدوحة أنها تعتبر جزءا لا يتجزأ من العملية التربوية وفي مجال تحسين الصحة وكذا العلوم والجامعات القطرية... الرياضيون يأتون من شتى أنحاء العالم للتدريب في أكاديمياتها فهم دائما محل ترحاب لكونها قطعت التزامات على نفسها تجاه الرياضة وتجاه مستقبل البلاد عموما ومستقبل أطفالها وشبابها وشباب العالم أجمع، وأود أن أتقدم بالشكر للسلطات القطرية كافة على ما توليه من اهتمام لهذه الجوانب».
هذا الاختصار البليغ للسيد باخ يؤشر إلى أن الرياضة في قطر ليست منافسة على ميدالية، ولا فوزا في مباراة، وإنما استراتيجية ورؤية لتربية أجيال وإعدادها وفق أعلى المعايير، وحث الجميع على تبني نمط حياة صحي من خلال ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، وفتح باب المشاركة أمام المؤهلين سواء في الرياضات المعروفة أو التقليدية والتي تعكس جزءاً من الحياة التراثية القطرية، عبر أكثر من «150» منشأة ومرفقاً رياضياً.
لقد أصبحت الرياضة ميداناً للتسابق والتفاخر بين الأمم، وبدت قدرة العطاء البشري في هذا المضمار وكأنها بلا حدود، وقد جعل العالم المتحضر من الرياضة واحدة من قضاياه الملحة، وهذا ما أدركته قطر التي قررت أن تلحق بركب المتميزين في عالم الرياضة عبر مجموعة واسعة من التحركات التي أثمرت عن كل ما نراه اليوم ونحن نحتفي بالرياضة ويومها الأهم في قطر.
الرياضة أيضا ممكن تعريفها علميا وعمليا على أنها أداة لتحريك النمو الاجتماعي، ووسيلة لدفع عملية التنمية الاقتصادية الوطنية، ومرآة حقيقية لتقدم المجتمعات، وقد ركز ديننا الإسلامي على ممارستها، ووضّح أهميتها وحثّ على الإقبال عليها دون تكاسل أو إهمال، لما لها من دور مهم في بناء وإعداد جيل قويٍّ ومتين، بالإضافة إلى أهمية الرياضة في الحفاظ على الصحة البدنية والنفسية. وللخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قول مأثور فيها: «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل».
أعود لليوم الرياضي الذي سنعيش فعالياته الواسعة والعديدة اليوم، فهذا اليوم ليس لسرد الإنجازات الرياضية، ولا لإقامة الخيم الاستعراضية وليس للتنافس والتباهي والمغالاة بين الوزارات والشركات لمن يظهر بصورة لافتة أمام المسؤول ومن يحصد أكبر كمية من الفلاشات والكاميرات، هذا اليوم ليس للبذخ أو الصرف دون هدف، فلا معنى لممارسة الرياضة في حضور البوفيهات والتورتات وأطعمة ومشروبات مخالفة لأهداف الرياضة ولمعايير الصحة.
اليوم الرياضي يخاطب العقل السليم ويذكره بأهمية أن تكون الرياضة جزءا رئيسيا في حياتنا اليومية وليست عاملا ترفيهيا أو تكميليا أو حسب وقت الفراغ.
كيف نمارس الرياضة بشكل صحيح؟ سؤال مهم وإجابته لدى المختصين في وزارة الثقافة والرياضة، والذين يقومون بدور فعّال عبر دوراتهم وأنشطتهم وحملاتهم الإعلامية لإيصال الرسالة بشكل صحيح، حتى لا تكون ممارسة الرياضة عبئا وخطرا على بعض من يجهلون أساسياتها وعلومها.
وللإنصاف فقد لعبت وزارة الثقافة والرياضة دورا في غاية الأهمية على هذا الصعيد، عبر قنوات إعلامية وجماهيرية مميزة، وعبر توعية جميع الجهات التي ستشارك في فعاليات اليوم الرياضي للالتزام بالمعايير والشروط الواردة في القرار الأميري رقم 80 لسنة 2011، بشأن اليوم الرياضي للدولة، عند وضعهم للخطط المتعلقة بالفعاليات المزمع تنفيذها خلاله، لضمان تحقيق الغايات المنشودة وخاصة نشر الوعي بأهمية ممارسة الرياضة لدى الفئات العمرية المختلفة «بالتركيز على الأنشطة البدنية والحركية والتوعوية، وتجنب كافة المظاهر الاستعراضية للاحتفالات» مع التركيز أيضا على الأنشطة التوعوية التي تهدف إلى ترسيخ ممارسة الرياضة كسلوك صحي يومي، وتعزيز الوعي لدى المشاركين بأهمية الرياضة ودورها في الحياة، كما دعت وزارة الثقافة والرياضة إلى تجنب ممارسة الجوانب الخاطئة للرياضة مثل مواصلة التدريب لساعات طويلة مما يسبب تعدد حالات الإجهاد البدني والإصابات العضلية لدى المشاركين، وتجنب إقامة الفعاليات في مكان واحد، حتى لا يتسبب ذلك بازدحامات مرورية، وتعطيل حركة السّير في المناطق المحيطة بالمكان في أغلب الأوقات.
فلا نريد في هذا اليوم ممارسات خاطئة تنتج عنها إصابات، أو يتخللها تناول أطعمة مليئة بالدهون والسكريات والوجبات السريعة وهي غير صحية وتزيد الوزن والسمنة، ولا يصح أن تفقد عشرات من السعرات الحرارية أثناء ممارستك تمرين الرياضة لتأتي بعدها وتلتهم «هامبرغر» مع شيبس ومشروبات غازية!
كما لا ينفع أن تمارس الرياضة اليوم بشكل خاطئ لا يتوافق مع وزنك أو عمرك ثم تتعرض لإصابة تبعدك عن الرياضة شهورا.. فتكون مشاركتك في هذا اليوم «شؤما» عليك!
قطر من الدول القليلة في العالم التي تولي الرياضة أهمية بالغة، وذلك لاقتناعها بأنها ترمومتر المجتمع، تعبّر عن نشاطه وكسله والأهم عن صحته وعافيته.
كما نتمنى ألا يكون اليوم الرياضي مقتصرا على الوزارات والشركات، فلا بد أن يصل لكافة فئات وشرائح المجتمع، وتحديدا للأطفال والنساء.. وذلك عبر تشغيل وتفعيل المدارس في المناطق والأحياء السكنية.

آخر نقطة..
اليوم أمارس الرياضة باستمتاع كبير، بعد أن فقدت الكثير من الشحوم وعددا لا بأس به من الكيلووات الزائدة والتي كانت تعيق تحركاتي وتؤثر على معنوياتي!
كنت أعاني في المشي واللبس والنوم والسفر.. كنت هدفا للأمراض ومحاصرا منها وبعضها طرق الباب..
لكن في السنوات الأخيرة، تصالحت مع الرياضة عبر اتفاق لا رجعة فيه..
والحمد لله أشعر أني ولدت من جديد..
وأتذوق الحياة بطعم مختلف.

بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري