كتاب وأراء

بين العقل والنقل

ما الفرق بيننا وبين شيوخنا؟
فرقٌ بسيطٌ للغاية: هم عاقلون، ونحن ناقلون..أي أنهم رجّحوا فكرة العقل، ونحن ركنّا إلى فلسفة النقل، أو ما يصطلح بعض الفلاسفة على تسميته بفكر العنعنة، أي عن فلانٍ، عن فلانٍ..إلخ.
خطر على بالي هذا السؤال وتداعياته، وأنا أعود إلى الوراء لقراءة الملاحظات النقدية في الأدب للأوائل، بدءاً بابن أبي عتيق، مروراً بأبي هلالٍ العسكريّ، وشيخنا الجاحظ، ووصولاً للمبدعين من أساتذتنا الكبار: طه حسين، والعقاد، والدكتور مندور، وأنور المعدّاوي، والدكاترة القط ولويس عوض، وشكري عياد، وعبد المحسن طه بدر، وجابر عصفور والأستاذين رجاء النقاش، ومحيي الدين محمد.
وليغفر لي المبدعون الذين نسيتهم، وحسبي قول «الدكاترة» زكي مبارك: تناسيتكم عمداً، كأني سلوتكم، وبعض التناسي العمد من صور الوُدِّ..فأنا في هذا المجال، أطرح تساؤلاً عن سبب الإخفاق في رؤية النقد لاستجلاء الإبداعات التي تزخر بها المكتبة العربية كلَّ يومٍ.
طه حسين وضع أيدينا على كنوز الأدب اليونانيّ، وكذلك فعل «دريني خشبة»، والعقاد بمدرسته النفسية في النقد الأدبي، وأعاد لنا قراءة أعلام الإسلام في سلسلة «العبقريات»، وكذا الشعر في كتابه عن ابن الرومي، وكنا نستمتع بما نقرؤه في تلك الدراسات النقدية التي تستحثّنا على الرجوع إلى المتون والحواشي، لاستزادة المعرفة، كما فعل الدكتور محمد مندور في كتابه «نماذج بشرية» الذي أخذ فيه بأيدي قرّائه إلى ذلك المعين الخصب من أمّهات الأعمال الكلاسيكيّة الإنسانية، في حين بشّر أنور المعدّاوي بشاعرةٍ مبدعةٍ في أدبنا الحديث هي ابنة نابلس فدوى طوقان، وكذا فعل رجاء النقّاش في تقديم الروائي الكبير «الطيب صالح»، وشعراء الأرض المحتلة، ومثلهما عبد المحسن طه بدر في تعريف القرّاء بالرُّوائي عبد الحكيم قاسم صاحب «أيام الإنسان السبعة»، وغيرها من الأعمال الروائية المتميزة في حقبة الستينيات من القرن الماضي.
في تصوّري أن هذه الأعمال النقدية التي أشرت إليها كمجرّد مثال، تفيد بحقيقة مهمة،هي: إن الناقد المبدع لا يختلف عن الخلّاق المبدع في العمل الأدبي، فهو يعتمد موهبته الفطرية في التعرّف على جماليات النص، وجديده، إضافة إلى قراءاته الأفقية، الواسعة في أمور الحياة، وأدواته التي هي: لغةٌ سليمةٌ، وحسٌّ مرهفٌ، وأسانيد علميةٌ موثّقة، واكتسبها من ثقافته العامة، قبل دراساته الأكاديمية.
ونحن حين تركنا باب الاجتهاد، والتعب في استجلاء النصوص، رحنا نعظّم من أهمية النقل، فصرنا كما وصف طه حسين هذه الفئة «عبيد النص» وذلك، في اعتقادي، من أهم أسباب التخلف الذي نشهده حالياً.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل