كتاب وأراء

الاقتصاد القطري بمجهر صندوق النقد الدولي

في زيارتها الأخيرة للبلاد أكّدَت السيدة كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، «أنَّ دولة قطر شريكُ وعضوُ فعّال في صندوق النقد، وفي طريقها لأن تصبح اقتصادًا متقدمًا، مؤكدة استعداد الصندوق لمساعدة قطر في هذا الاتجاه»، وأعتقد شخصيًا أنّ حركة الاقتصاد القطري أصبحت عامرة بالأمل، فهي تنتهج نهجًا «صحيًا» من أجل الاتكاء على الذات والاكتفاء رويدًا رويدًا تحقيقًا للاستقلال الاقتصادي الشامل، وهو حلمٌ طويلُ الأمد، لكنهُ ليس ببعيد، خاصة مع اتباع نهج استراتيجي مدروس من جميع الجوانب وتفعيل مسؤولية الجميع نحو بناء وإعمار الاقتصاد الوطني. وفي ذلك يقول وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت ماكنامارا (شغل منصب وزير الدفاع من فترة الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عام 1961، حتى فترة الرئيس ليندون جونسون عام 1968م): «إنَّ الأمن يعني التطور والتنمية، سواءً منها الاقتصاديَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة في ظل حماية مضمونة، والأمن الحقيقي للدولة ينبُع من معرفتها العميقَة بالمصادر التي تُهدد مختلف قُدراتِها، ومواجهَتَها لمنحِ الفرصة لتنمية تلك القدرات تنميةً حقيقية في مختلف المجالات سواءً في الحاضر أو المستقبل».
إنَّ الأزمة الحاليَّة ساعدتنا كثيرًا في اتخاذ عددٍ كبير من القرارات، ورُبما يأتي قرار التحوُّل نحو مزيدٍ من الاكتفاء الذاتي؛ كواحدٍ من أهمِّ القرارات الذهبيَّة التي ستجعلُنا نراوِد النجاة من أيِّ تبعيَّة اقتصادية تحُلمُ بها أي دولة معادية، فالاكتفاء الذاتي سيتيحُ لنا حُريَّةً أكبر في اتخاذ القرار دون أيِّ ضغوطٍ خارجيَّة، وإنِّي أعتقد أنَّ طموحُنا الحالي صِحِّيٌ وواعدٌ جدًا، فالإنتاج القطري قادِر على العمل على توفير احتياجات السُكان ويُمكنُنا من خلال التخطيط الصحيح والتنفيذ التعاوني الشامل أن نُحقق هذا الطموح الوطني المطلوب في أقرب الآجال بإذن الله تعالى، ولا يعني هذا الطموح بأيِّ شكلٍ من الأشكال القطيعَة الكاملة لعلاقاتنا التجاريَّة مع الدُول الأخرى أو حتى مُقاطعَة الأسواق العالميَّة، بل أعنِي بِهِ المزيد من تنميَة الاعتماد على الناتج المحلي القطري بالشكل الذي يضمَن أعلى مستوى ممكِن من الإشباع المقرون بالعمَل الوطني، فالحصار الجائر أدَّى إلى إغلاق معظَم المنافذ الجويَّة والبريَّة والبحريَّة وهدَفَ في ما هدَف إلى زعزعة الأمن القومي القطري وضرب الاقتصاد الوطَنِي في مقتل، وتعطيل استيراد السلَع من الخارج قدر الإمكان وتكَبُّد خطَر وصُعوبَة عمليات النقِل، لكننا وبفضل الله تعالى ثمَّ بفضل استراتيجيتنا الحكيمة قُمنا بتجاوز هذه المحنة التي حلَمَ بها الأشقاء في دول الحصار، وها نحنُ نخرُج باستراتيجية الاكتفاء الذاتي والتي ستقوم كذلك باستثمار الطاقات المُعطَلة في المجتمع والدفِع بها لإنتاج سِلَع مماثلة لما يتمّ استيرادُه من الخارج، وبذلك نكون قد توصلنا إلى تحقيق هدفين مهمَّين هما: تفعيل الكوادر المحليّة وتنميتها للانخراط في هذه الاستراتيجيَّة والحدّ من أشكال البطالة المختلفة وفتح باب الاستثمار لرواد الأعمال الوطنيين، بالإضافة إلى تنمية الإنتاج المحلي القطري؛ صناعيًا وزراعيًا.
عزيزي القارئ، قالت السيدة كريستين لاغارد في كلمتها بمؤتمر «الازدهار للجميع- تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي»، الذي نظمه صندوق النقد الدولي بالشراكة مع الحكومة المغربية وصندوق النقد العربي يناير الماضي،: «رأينا بلدان المنطقة وقد أدرجت خلق الوظائف وتحقيق النمو الاحتوائي على رأس برامجها الإصلاحية، وقد حققت تقدمًا بالفعل، ولكنه غير كافٍ. ومن الواضح أن بلداناً عديدة تعاني في التعامل مع كيفية التعجيل بتنفيذ الإصلاحات، وتحويل هذه الأولويات إلى نتائج ملموسة. فكيف يمكن أن نحقق تطلعات الشباب في المنطقة، واستعادة الأمل في المستقبل، وبث مزيد من الثقة لدى الشعوب؟ هناك أكثر من 27 مليون شاب سيدخلون سوق العمل في المنطقة على مدار السنوات الخمس المقبلة، وهي منطقة أصبحت بطالة الشباب فيها هي الأعلى على مستوى العالم بمتوسط 25%، وهناك أكثر من 60% من المواطنين يرون أن العلاقات– أو الواسطة– هي التي تحدد ما إذا كان باستطاعتك العثور على عمل. والسخط الشعبي المتأجج في عدة بلدان هو تذكرة بأن التحرك لمواجهة هذه القضايا أصبح أكثر إلحاحًا، والخبر السار هو أن زيادة قوة الاقتصاد العالمي تفتح فرصة أمام الإصلاحات. وتشير توقعات الصندوق للاقتصاد العالمي إلى أن النمو العالمي بلغ مستوى هو الأعلى على مدار السنوات العشر الماضية؛ حيث سجل 3.5% في 2017، ومن المتوقع أن يتسارع هذا المعدل مسجلاً 3.9% في العامين الحالي والمقبل. ويشارك في هذا الانتعاش الدوري نحو 120 بلدًا تساهم بثلاثة أرباع إجمالي الناتج المحلي العالمي».
إنَّ مطلب الاكتفاء الذاتي يحتاجُ إلى جُهدٍ علميٍ في التخطيط والدراسة الشاملة للقُوى البشريَّة العاملة في مختلف مجالات الإنتاج والموارد الوطنيَّة المتنوعة، فضلاً عن التحديد الدقيق للاحتياجات الأكثر أهميَّة في هذه المرحلة، ملتزمين بالحرص على الصالح العام ومُتصديين للسلبيين الذين يُحَقِّرُون دومًا من قُدرة الدوَل الطموحة على تحقيق اكتفائها الذاتي والذينَ يكونُ دومًا هدفهم هو تحقيق المزيد من الأرباح المتواترة عن طريق عمليات الاستيراد من الخارج، كما أنَّ الشفافيَّة مطلوبة في هذه المرحلة، فنحنُ أبناء الواقع، ونعلمُ جميعًا أنَّ هُناك فجوة كبيرة بين مُعدّلات الطلب ومُعدّلات الإنتاج، وقضيَّة الاكتفاء الذاتي هي أحَد روافد الأمن القومي؛ خاصةً بعد أن توسع هذه المفهوم وانتقل من إطار المُقاربَة التقليديَّة التي كانت قائمة على المفهوم العسكري والذي كانَ يُنظَر لهُ من قِبَل صُناع القرار والمخططين الاستراتيجيين على أنَّهُ القُوَّة القوميَّة الأولى؛ إلى مفهومٍ أكثر شموليَة وعصريَّة ليشمَل مختلف الأبعاد الهامة للدولة: سياسيًا، إنسانيًا، اقتصاديًا، غذائيًا... إلخ، وعلى ذلك فإننا اليوم كما ذكرت في مطلع المقال مُجبرون على اتخاذ كل التدابير لتحقيق الاكتفاء الذاتي ونُطور لفلسفة وطنيَّة شاملة تأخُذ بعين الاعتبار جميع المتغيرات الداخليَّة والإقليميَّة والدوليَّة ضامنين بذلك بعون الله تعالى حقنا في الأمن بمفهومه الشامل.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي