كتاب وأراء

قضايا ومعوقات تجديد الخطاب الديني (1)

مطلب تجديد الخطاب الديني، قديم متجدد، في الماضي كان مطلب الاجتهاد بتغير الزمان، وفي الحديث أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، فالتجديد خاصية من خواص هذا الدين، ويقرر القرآن: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد كان التجديد مسعى أساسياً في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية، طبقاً لإعلان باريس لتجديد الخطاب الإسلامي.
وما قامت الحضارة الإسلامية إلا بفكر وخطاب متجددين، وما انحسرت إلا حين توقف التجديد وران على العقل الإسلامي الصدأ، ألف عام، فالحاجة ملحة اليوم لإعادة تشغيل طاقات التجديد، بخطاب ديني منفتح على الإنسان وعلى معطيات الحضارة الحديثة، قادر على مواجهة التحديات المعاصرة التي تواجهها مجتمعاتنا.
تصاعدت مطلب تجديد الخطاب الديني، في العقدين الأخيرين، واشتد في أعقاب هجمات 2003/9/11، وأصبح الأكثر تداولاً في الخطاب العام، وخاصة بعد مطالبة السلطات السياسية، المؤسسات الدينية الرسمية بتجديد الخطاب الديني، لكن رغم هذه المطالبات، وتنظيم المئات من المؤتمرات، لم نجد ثمرة ملموسة لها، فما زال الخطاب الديني المأزوم، مهيمنا نشطاً عبر آلاف المنابر والمواقع والقنوات الدعوية، ورغم أن الأزهر الشريف، أصدر وثيقة تجديد الخطاب الديني، يونيو2016، لكنها لم تترجم على أرض الواقع في خطة تنفيذية، في مناهج دينية تحصن الشباب من التطرف، وفِي خطب منبرية تشحن طاقات الشباب للبناء والإنتاج والابتكار، وفِي فتاوى تعمق المشترك الديني والمذهبي بين مكونات المجتمع.
ما العقبات أمام تفعيل تجديدالخطاب الديني؟ وما القضايا التي ينبغي مراجعتها وتجديد النظر إليها؟
أما القضايا التي يجب معالجتها وفق فهم جديد يتسق ومواثيق حقوق الإنسان ودولة المواطنة وفِي ضوء مقاصد الشريعة وثوابت الدين وتكريم المولى تعالى للإنسان، فمن أبرزها:
1- تصحيح النظر إلى المرأة: الخطاب الديني السائد، يخاطب المرأة من منطلق أعلوية الرجل عليها، ويراها كائناً عاطفياً لا تحسن التصرف إلا تحت وصاية الولي المرشد، وهذه نظرة غير إنسانية، وغير أخلاقية، وغير إسلامية، فالمرأة في القرآن الكريم، كائن عاقل رشيد، يحسن التصرف في الأمور كلها، قارن: تصرف الملكة بلقيس السياسي، بتصرف فرعون، كيف أمكن تصور دونية مكانة المرأة في دين جعل مكانة الأم تعلو مكانة الأب بثلاث درجات، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات.
2- تصحيح النظر إلى الآخر المختلف مذهبياً أو دينيا.. الخطاب الديني المهيمن، خطاب مذهبي تعصبي للأكثرية، يدعي تملك الحقيقة المطلقة، سواء فيما يتعلق بالمعتقد الديني أو الرأي الفقهي أو السياسي، فالفرقة الناجية واحدة، والجنة لا تسع إلا تلك الفرقة وأتباعها، ومن هذا المنطلق، يكفر الآخر أو يحكم عليه بالضلال والانحراف، أو يخونه، وقد يستبيح دمه بفتوى طائشة، ولا يكتفي بكل ذلك، بل يسعى لفرض وصايته على المخالفين وإلزامهم بحكمه، بحجة أنه يمثل الأكثرية المذهبية أو الدينية أو العرقية،، ليس من حق الأغلبية الجور على الحقوق الأساسية والطبيعية للأقلية المخالفة. على الخطاب الجديد تجاوز أوهام تملك الحقيقة، وحق الوصاية وفرض الرأي وتكفير المخالفين والتخوين، فمالك الحقيقة المطلقة هو الله تعالى وحده، وهو جل وعلا، وكما قرر في كتابه المعجز هو الذي يفصل بين الناس ويقرر مصيرهم، وجنة الله تعالى الواسعة تسع المؤمنين جميعاً «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، على الخطاب الجديد الانشغال بما يجمع بين الناس وبما يعزز المشترك الديني والمذهبي والأخلاقي والوطني بين أبناء المجتمع الواحد.
3- تصحيح رؤية العالم: الخطاب الديني عامة، مسكون بأوهام وهواجس التآمر العالمي على الإسلام والمسلمين، يرى الغرب عدواً متربصاً،لا هم له إلا الكيد للمسلمين والتحكم في مقدراتهم، وهو المسؤول الأكبر عن معاناة المسلمين من تخلف ومآس وفشل وتفرق، على الخطاب الديني الإقلاع عن اتهام الغرب ولعنه والدعاء عليه، تخلفنا بما كسبت أيدينا، وبأسنا بيننا شديد، وهذا الخطاب الاتهامي ينبغي تفكيكه لصالح خطاب جديد عقلاني، متصالح مع الذات ومع العالم.
بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري