كتاب وأراء

الانتخابات البلدية في تونس .. خطوة أخرى لترسيخ الديمقراطية

من المقرر أن تنتظم في تونس خلال شهر مايو من هذا العام انتخاباتها التعددية الرابعة منذ بداية انتقالها الديمقراطي سنة 2011. هذه الانتخابات التي ستفرز مجالس بلدية وتؤسس للإدارة المحلية التي سيتم اختيارها بشكل مباشر من المواطنين بعيدا عن منطق التعيين وسلطة القرار المركزي.
وقطعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أشواطا كبرى في التحضير للانتخابات البلدية القادمة عبر إعادة تحيين سجلات المُرسّمين في قائمات الناخبين ثم انطلاق مرحلة فتح باب الترشح للتنافس على مقاعد المجالس البلدية غير أن المؤشرات توحي بورطة حقيقية تعيشها كثير من الأحزاب التونسية.
ففي وجود 350 بلدية يتم التنافس على مقاعدها، فشلت غالبية القوى الحزبية في تشكيل قوائم تغطي كامل تراب الجمهورية وإذا استثنينا حركة النهضة وحزب نداء تونس وهما أساس الائتلاف الحاكم في البلاد فإن باقي الأحزاب كشفت عن عجز تنظيمي فادح وفشلت في التعبئة والتحشيد من اجل مشاركة فعالة في الانتخابات المقبلة في مقابل حضور واضح للقائمات المستقلة التي تطرح نفسها في المنافسة الانتخابية بعيدا عن الكيانات الحزبية المنظمة.
فالانتخابات المحلية التي تم تأجيلها أكثر من مرة منذ سنة 2011 حيث بقيت البلديات تُدار من خلال نيابات خصوصية تم تعيينها من الإدارة، تشكل ركنا أساسيا في تقديم الخدمات المباشرة للمواطن خاصة في ظل القانون الجديد للحكم المحلي الذي يمنحها مجالا واسعا في التصرّف والإنجاز ذلك أن السلطة المحلية التي خصص لها الدستور التونسي الجديد بابا كاملا ضمن فصوله هي اللبنة الأخيرة في بناء الهيكل الديمقراطي التونسي وتعميم التمثيل الشعبي المنتخب على كل الهياكل والمجالس التي تدير الشأن العام في الجمهورية التونسية.
وتجري هذه الانتخابات في ظل تجاذبات حزبية وسياسية تلقي بظلالها عليها، فكثير من القوى الحزبية النافذة لازالت غير قادرة على فرض نفسها من خلال الشارع وإنما تعتمد التأثير عبر اللوبيات ومراكز القوى ولهذا ستكون الانتخابات المقبلة مصدر قلق سياسي فعلي بالنسبة لها خاصة إذا كشفت ضعف تمثيليتها وغياب حضورها في الشارع وهو ما دفعها سابقا إلى الضغط لتأجيل الانتخابات بقدر الإمكان تحت مبررات شتى هي في الواقع ليست سوى من قبل حيل السياسة وتكتيكات التلاعب الحزبي، ولكنها اليوم أمام امتحان الصندوق ستجد نفسها أمام الرأي العام. وقد سارعت بعض القوى السياسية إلى تشكيل ائتلافات واسعة على نحو ما فعلت مجموعة أحزاب الاتحاد المدني التي توافقت من اجل تقديم قائمات مشتركة لشعورها بالعجز عن تغطية كامل جغرافيا البلاد بقوائم حزبية تمثلها.
على أن الانتخابات البلدية المقبلة ستكشف وبشكل واضح أحجام كل الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التونسية حيث لا يمكن بحال تزوير خيارات الإرادة الشعبية في تحديد ممثليها على المستوى المحلي وفي ذات الوقت سينكشف مدى تأثير وحضور أحزاب المعارضة ذات الصوت المرتفع في مجلس النواب وفي الأعلام ومدى تطابق تأثيرها الإعلامي مع حضورها الشعبي. كما أنها ستجعل الأحزاب في مواجهة العمل الخدماتي المباشر حيث لا يمكن تغطية التقصير أو الفشل بالشعارات فالبلديات هي بالفعل المحك الحقيقي لقياس نجاح طرف ما في تنفيذ برامجه التي يعد بها جمهور الناخبين، غير أن هذا لا يعني أن المرحلة المقبلة ومهما كانت أسماء الأحزاب التي ستتفوق فيها يمكن أن تُدار بمعزل عن التوافقات والتحالفات والتنازلات المتبادلة وهذه سمة كل مرحلة انتقالية يتم فيها ترسيخ الانتقال الديمقراطي وبناء أسس دولة القانون والحريات.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي