كتاب وأراء

خطاب الأمير في «مؤتمر ميونخ» يشخص الحالة الإقليمية الراهنة بكل أحوالها الواهنة

على «حافة الهاوية» .. نظرة في أوضاع المنطقة

على «حافة الهاوية» .. نظرة في أوضاع المنطقة

انتهت أعمال الدورة الرابعة والخمسين لمؤتمرميونخ للأمن، ولن ينتهي الحديث عن الخطاب المهم الذي ألقاه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، من على منصة المؤتمر، والذي دعا من خلاله دول المنطقة لتوقيع اتفاق سياسي، يضمن التعــايش الســــلمي بين بعضها البعض، بمساندة ورعاية المجتمع الدولي.
.. وما من شك في أن أهمية الخطاب لا تكمن في تشخيصه للحالة الإقليمية الراهنة، بكل أوضاعها الواهنة فحسب، لكن قيمته الاستراتيجية تتمثل في طرحه العقلاني، وعرضه الإنساني، وحلوله الشافية، ومعالجته الوافية لكل المخاطر الأمنية التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط، محذرا من وقوفها على «حافة الهاوية».
.. وإذا دققنا النظر، وأمعنا البصر في مجريات الأحداث الدراماتيكية الدائرة في المنطقة، سنرى بالعين المجردة أن ما طرحه «صاحب السمو» في خطابه حقيقة واضحة، ماثلة للعيان، حيث تقف غالبية الدول العربية على «حافة الهاوية»، دون الانتباه إلى أنها عرضة لمخاطر التدمير بين عشية وضحاها، لتكون شعوبها أول ضحاياها.
.. وأستطـيع القــــول، اســــــتناداً إلى ما طــــــرحــه «صاحب السمو» في خطابه أمام «مؤتمر ميونخ للأمن»، أن منطقتنا العربية من شـــرقها إلى غــــربها تقـــــف على كـــــتف جرف سحيق، وبعض دولها تتأرجح على مسافة رمشة عين من الوقوع في القعر العميق!
بل يمكنني القول إن معظم الأنظمة العربية الحاكمة كافة، تقف على حافة الحافة، وبعضها على مسافة متر واحد من السقوط، وبعضها الآخر على بعد سنتيمترات من هاوية الهبوط.
.. واستناداً إلى هذا الواقــــع المريــــر، لا أحد يستطيع إنكــــــار أن دول ما يــــسمى «مجلس التعاون» وغيرها، تقف على «حافة الهاوية»، وبمجرد أن تتعرض المنطقة إلى هزة سياسية صغيرة، ولا أقول «دزة»، فإنها جميعها ستسقط في الهاوية السحيقة.
.. وما من شك في أن مجمل الأحداث الدائرة في إقليمنا الخليجي، ونزاعاته المتصاعدة، ومكوناته المتصارعة، ودفاعاته المتصدعة، كـــــل هــــذا يطرح أسئلة مقلقة حول مستقبل المنطقة، ومصيرها في ظل سياسات التهور، التي تقودها دول التآمر، وتقود إلى المزيد من التدهور.
.. ولعــــــل هــــذه الحقيـــــقة وغيـــرهــــا، دفعــــت «صاحب الســــمـــو» إلى إطــــــلاق تحذيره من خطورة الوضع السائد، وإعلان مبادرته الداعية إلى توقيع اتفاق سياسي، يضمن الحق السيادي لدول المنطقة، التي لم تستقو على أحد، كما استقوت على بعضها البعض!
.. والمؤسف أن الأزمة الخليجية تمثل نموذجاً من نماذج الاستقواء على قطر، حيث أظهـــــــرت أن هــــــناك قوى شريرة داخـــــل «البيـــت الخليجي»، تـــــحـــاول العـــــبث فــــــي أمن وسيادة الدولة القطرية، يحركها الحقد، ويحرضها الحسد، ويدفعها الطمع، ويشجعها الجشع، ولهذا نراها لا تــــريد خيراً لحاضر قطر ومستقبلها واســــتقلاليتها واستقرارها، وحرية قرارها.
.. وفي ضوء هذه الحقيقة، لا يمكن لأي مواطن قطري، أن ينسى أن دول الحصار الفاشل، استهدفت ــ ولا تزال ــ إنهاء نموذج الدولة القطرية المستقلة، وحاولت ــ ولا تزال ــ تقويض ركائزها الأساسية، وقيمها الإعلامــــــية، ورؤاها الإنسانية، وأدوارها الثقافية وغيرها.
.. ورغم أنه لا أحد يعرف على وجه التحديد لماذا اختارت دول التآمر الخامس من يونيو الماضي، والذي يتزامن مع ذكرى «النكسة العربية»، موعداً لإطلاق إجراءاتها العدوانية ضد قطر، والمتمثلة في فرض حصارها الجائر، براً وبحراً وجواً، وفـــــرض القــيود غير الإنسانية على سفر القطريين إلى عواصمها، ومنعهم من دخـــــولها، وتفريق العائلات المشتركة، وشن الحملات الإعلامية والإلكترونية لتشويه صورة الدوحة، ومحاولة الصاق تهمة «الإرهاب» بها!
لكن أغلبية المراقبين يدركون جيداً أن الأزمة الخليجية المفتعلة، هي محاولة من أصحابها لاستعراض عضلاتهم ضد قطر، بهدف إخضاع قرارها الوطني المستقل.
.. وعلى الرغم من أن الأزمة التي تتأهب لدخول شهرها العاشر، اتخـــــذت مـــــوقفاً هـــــو الأكثر عدائية في المنطقة، منذ العدوان العراقي على دولة الكويت الشقيقة عام 1990، إلا أن موقفهم العدواني، ولا أقول العدائي فحسب، لم يكــــسر إرادة الدوحة، ولـــم ينجح في تحويل قطر إلى دولة تابعة لهم، يديرونها من قصورهم بنظام «الريموت كونترول»، كما يفعلون مع تابعتهم البحرين!
.. ولعل الخطاب الذي ألقاه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى على منصة «مؤتمر ميونخ للأمن»، يؤكد هذه الحقيقة، ويلخص بإصرار، الحالة الصعبة، والإرادة القطرية الصلبة، المستعصية على الانكسار.
.. ويمثل خطاب الأمير، وما ورد فيه، وثيقة سياسية مهمة تتضمن إطاراً وقائياً جامعاً مانعاً واسعاً يتسع لجميع دول المنطقة، لتعزيز الأمن في منطقتنا المضطربة، حتى لا نجد أنفسنا مجتمعين بعد سنوات في ميونخ عاصمة ولاية بافاريا الألمانية أو غيرها، لمناقشة تهديدات أمنية من نوع أخطر، ولا أقول آخر، كان بإمكان قادة المنطقة منع حدوثها في حال تجاوبهم مع الدعوة السامية،التي وجهها «صاحب السمو» للجميع، لتوقيع اتفاقية التعايش السلمي المقترحة.
.. وعلى نقيض هـــــذه الدعوة الكريمة، تواصـــــل دول التآمر على الـــدوحـــة، تــــرويج خطـــــاب التخـــــويــــــف والتخــوين والتخميــــن، وخــــصوصــاً بعــدما أصـــــبح وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات «عرّافاً» يبشر المنطقة أن الأزمة الخليجية مرشحة للاستمرار حتى عام 2020.
.. وليته حدد عـــــام 2030، موعداً لنهايتها، باعتـــــبار أن هــــــذا التاريـــــخ يمثـــــل الجدول الزمني لإنجاز رؤيتنا الوطنية، حيث تمضي دولتنا واثقة الخطى، ثابتة الخطوات، دقيقة الخطوط، واضحة التخطيط، لتحقيق أهدافنا القومية.
.. وعلى الجانب الآخر، تواصل دول التآمر انتهاج دبلوماسية «الصعود إلى الهاوية» باتجاه دفع المنطقة إلى «حافة الهاوية»، حيث نجد الدكتور أنور قرقاش يتحول إلى «عود ثقاب» يشعل الحريق تلو الآخر، في تغريداته المحروقة، فنجده يتحدث عن ما وصفها «الخطب المكررة»، زاعماً أنها «لن تحل الأزمة»!
.. والأجدر بالوزير الإماراتي المشتبك، صاحب «التـــغريد المرتبك» أن يتــــوقف عـــــند تغريداته المكررة في مفرداتها، والمعادة في عباراتها، والمعادية في كلماتها.
.. ويمكن للمتابع ملاحظة تكراره الممل لكلمة «المظلومية» و«الارتباك» دون أن يسعى إلى فض الاشتباك مع الدوحة، في معظم تغريداته التي أطلقها ضد قطر منذ اندلاع الأزمة.
.. ويثبت وزير الدولة للشؤون الخارجيـــــة في الإمارات كـــم يبدو مرتبكاً عـــــند استخدامه اللغة العربية، الحافلة بالكثير من المفردات الغنية، ولا أقول الغبية، لكن إفلاسه اللغوي لا يعينه على تغيير كلماته، فيقوم بتكرارها، وإعادتها، دون أن يسعى إلى تجديد خطابه، ليكون مقنعاً للرأي العام.
.. وترتكز تغريدات «قرقاش» المكررة على محاولة الهيمنة، والتسلط على القرار القطري المستقل، والتحريض على الكراهية، وهذا يبدو واضحاً من خلال سعيه لفرض نمط معين من المواقـــــــف السياسية عليـــــنا، بعيدا عن ثوابت السياسة القطرية، وخارج إطار القواعد الدبلوماسية الدولية.
.. والملاحظ أنه يريدنا أن نسير خلفه، ونأتمر بأوامره، ونلتزم بتوجيهاته، وينسى أن السياسة الدولية تحكمها مجموعة من القواعد العامة ــ ولا أقول منتديات «العلاقات العامة» ــ التي تمـــــثل إطــــاراً عــــــامــــاً للسيـــــاسات الخــــــارجــــية، مــــــن بينـــها، بـــــل أبـــــرزها، عدم تدخله السافر في شؤون غيره.
.. وربما يجهل «قرقاش» أو يتجاهل، أن القانون الدولي أعطى لكل دولة سيادتها، ومنحها حقها في اتخاذ قراراتها، وعدم تبعيتها لأي دولة أخرى، حيث يمنع أي متطفل، أو متدخل مثله، من التدخل في شؤون الآخرين.
لقد انزلق وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات إلى «حافة الهاوية»، عبر تغريداته التي تشتعل فيها نار الفتنة الحامية، منزلقاً في مواقف تبدو فيها رغبته العارمة في ممارسة الهيمنة السياسية على مجمل قرارنا السياسي، والوصاية على توجهنا السيادي المستقل!
.. والأدهى من ذلك أنه يريد أن يحدد لنا ما هو الصح، وما هو الخطأ في السياسة التي نتبعها، وفقاً لمعاييره.
.. ومشكلة «قرقاش» أنه يريد تحديد كمية البهار أو «البزار» التي ينبغي أن نرشها على طعامنا!
.. ويريد الدخول إلى غرف نومنا، وتحديد ألوان «المخدات» التي ننام عليها، ونوعية «الشراشف» التي نتغطى بها، وألوان الستائر التي تغطي نوافذنا!
.. ويريد أيضاً إجبارنا على استخدام «البخور» الإماراتي في مجالسنا!
.. ويريد توجيه السياسة القطرية وقيادتها، وكأنه يقود سيارته «المرسيدس»، متوجهاً إلى «هور العنز» أو «الخوانيج»، دون مراعاة أخلاقيات التعامل الأخوي بين دول الخليج !
.. باختصار يريد «قرقاش» أن تدار قطر على مزاجه، وكأنها شركته الخاصة، التي يحدد لها ما يجوز وما لا يجوز فعله!
.. ويخـــــــطئ الدكـــــتور أنور قـــرقاش إذا تــــوهــــــم أنه «كيسنجر» المنطــــقة، وأنـــه الموجِهْ المصلح السياسي لأحوالها، وأنه يفهم في الســــياسة أكثر من غيره، ولهــــذا يريــــــد أن يصدر الأوامر من مكتبه في أبوظبي، فتقوم الدوحة بتنفيذ أوامره، وتقول له سمعاً وطاعة!
.. والمضحك المبكي في «الحالة القرقاشية» أن صاحبها يأخذنا في تغريداته إلى قطر أخرى، غير التي نعرفها، والتي ولدنا فيها، ونشأنا فيها، وكبرنا فيها، وارتبطنا بها، ونقف صفا واحدا خلف قيادتنا الحكيمة.
إنه يقدم في تغريداته صورة مشوهة عن قطر، التي يبدو فيها شرها أكثر من خيرها، ضعفها أكثر من قوتها، فشلها أكثر من نجاحها، انكسارها أكثر من انتصارها!
لقد أعطى «قرقاش» لنفسه الحق في تتبع خطواتنا، والتدخل في شؤوننا، معتقداً أن «الشؤون الخارجية» التي يتولى ملفاتها، تعني تدخله السافر في شؤون قطر، وأن «الخارج» بالنسبة له يعني الخروج على القواعد الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً، كما يعني خروجه على ما تبقى من علاقات حسن الجوار.
.. وإذا كنا نتفق جميعاً في أنه من حــــق وزيــــر الدولة للـــــشؤون الخارجــــية في الإمارات أن يربي لحيته أو يحلقها.
.. ومن حقه أيــــضاً أن يــــــرتدي «وزاراً» أو سروالاً، ومن حـــــقه دائماً أن يلبـــــس «كندورة كركمية» أو ثوباً أبيــــض، لكـــــن ليــــس من حـــقه ولا من حق غيره التدخل في الشؤون القطرية الداخلية والخارجية، وتحديد ما ينبغي أن تفعله الدوحة في مواقفها وسياساتها المستقلة.
.. والمؤسف أن «قرقاش» يطرح في تغريداته خطاباً غير مألوف في الأوساط الدبلوماسية، ولو رصدنا نشاطه «التويتري» منذ اندلاع الأزمة في مايو الماضي، سنجد أن 99 % من تغريداته تشكل تحريضاً على الكراهية، وتدخلاً في الشؤون القطرية.
.. ورغم أن تغريداته ضد قطر، التي يطلقها عبر منصة «تويتر» تشكل مساحة كبيرة، لكننا نجده يصف الأزمة المفتعلة معها بأنها صغيرة!
لقد أصبح «قرقاش» مهووساً بالشأن القطري لدرجة أنه يصحو من نومه ويغرد عن قطر!
ثم يأكل «الكورن فليكس» ويغرد ضد قطر!
.. ويرتدي «كندورته» أم «كركوشة» ثم يطلق تغريدة يهاجم فيها سياسات قطر!
.. «وعندما يأتي المساء» مع الاعتذار للموسيقار محمد عبدالوهاب، يتسمر «قرقاش» أمام شاشة «سكاي نيوز» الإماراتية، ثم يرسل تغريدة ضد قطر، تلتقطها هذه المحطة الفضائية، وتعيد بثها عبر الفضاء، لتضليل الرأي العام الخليجي والعربي!
.. وفي إطار محاولات أبوظبي اليائسة بالتدخل في الشؤون القطـــــرية «لم يبــــق فـــي الدبلوماسية الإماراتية شيئا لم تفعله ضمن مشروعها التحريضي ضــــد الــــدوحة، سوى تغيـــــير اسم وزير دولتـــها للشــؤون الخارجــــية أنـــــور قرقـــــاش، ليصبح مســـماه الجــديد وزير الدولة العدواني ضد قطر لشؤون التغريد!

بقلم : أحمد علي

أحمد علي