كتاب وأراء

صرخة عود ثقاب

في مقبرة الماضي تَراها تَدفن كلماتٍ أَوْجَعَتْها حتى تَموت الكلماتُ كما تُقْبَرُ الحياةُ في الفم الذي قالها: «لا أُطِيقُ بُكاءَكِ».. فَمٌ يَتَجَرَّأُ على التلفظ بما يَقْتُل الإحساسَ فَمٌ لا يَختلف عن باب جَهَنَّم..
حُلْمُ الحياة مع كائنات صَخْرِيَّة لن يُعَادِلَ أكثر مِن قَصْر شُيِّدَ على الرمال، تُبِيدُه العاصفة مهما كانَت العاصفةُ كاذبةً..
مِنَ السهل أن تَرى المرأةَ تُلقي مِن نافذة عَرَبَةِ حياتها بحياةٍ صغيرة لا يَستحقُّ شريكُها فيها أن تُمَجِّدَه بذكرى، تُلقي به كما تُلقي بِوَرقة مُنْكَمِشَة خَلْفَ ظَهْرِها، لكن مِن الصعب أن يَفْهَمَ شريكٌ آخَر أنها تَحترق عندما تَبكي، وأنها تتألم من أعماقها..
فكيفَ للشريك الآخَر أن يَتركَها تَحترق ويَغيب عن سماء دنياها في اللحظة الحاسمة التي يجدر به أن يَقف قُبَالَتَها وفي يَدِه ممسحةُ الحنان الذي سيَمسح به عنها آثارَ القسوة؟!
ذاك الذي تَطرده مِن جَنَّتِها لا جدوى مِن البكاء عليه، لكن الآخَر الذي عَلَّمَها أن تُرَبِّيَ مَشاعرَ الحُبّ في قريةِ قلبها لِتُزْهِرَ المشاعر بهواءِ العاطفة النَّقي، كيف له أن يُطاوع شيطانَ غضبه ويَقلب الطاولةَ ويكسر أَضْلُعَ إبريق الشاي المسمى حياتها العاطفية تماما كما يكسر في صدرها ما هو أغلى مما لا يجبره لصاقُ النَّدم ولا تجبره «مَعْذِرَة مَلِكة الورد» التي اسْتَكْثَرَ عليها أن يَقولَها؟!
سيَجلده صَوتُ الكبرياء، صوت الكبرياء الجريح يَجعله يَظن وَهْماً أن المرأةَ قطعَتْ رأسَه وذيلَه كما تَفعل بالسمكة، وهنا لا شك في أنك ستتساءل بطريقة السالِك لِدَرب الحيرة:
أَكُنْتُ لِأَسْمَحَ بأن أَخذل النصفَ الآخَر وأُلْقي به في مِقلاة الإحساس بالخيانة لمشاعره لِيَتَقَلَّبَ وَجَعاً فوق سائلِ زيتِ سُوءِ الظن الساخن الذي يُشعله ويَجعله يَصرخ صرخةَ عود ثقاب؟!
أَكُنْتُ أَقصد أنْ أَحرق مدينةَ الحُبّ كما فَعل نيرون بروما لأَنتشيَ مَزْهُوًّا بريش نزقي انتشاءَ طاووس غابَ عنه أنه فَقَدَ ريشَه في غزوة من غزوات الدهر الذي يجعلني أَهرم وأَشِيخ قبل فواتِ أوانِ الربيع؟!
أَكُنْتَ تَنوي أن تَعصف بعرش مملكة الورد التي سَقَيْتَها مِن خَزَّان عينيك اللتين أَلْهَبَهُما العتابُ؟!
أكان عقلُك يُصَوِّرُ لك أنَّ مَن تَجَنَّدَ للتمريض ساهِراً على لجم لسان بَحْرِها الأحمر ذاتَ نزيف سيَتَدرَّب على رقصة السَّوْط الذي يُصَيِّرُكَ جَلاَّداً تُصِيبُ روحَها في مَقْتَل؟!
جُروح الجسد يشفيها الوقتُ، لكنَّ ضَرْبَ الروح وَشْمٌ في كَفِّ الذاكرة لا تُبْليه الأيامُ ولا تُنْسيه..
مُوجِعٌ حَتى البكاء أنَّ اليَدَ الطاهرةَ التي طَوَّقَ حريرُها رقبتي فاتحا لي بوابةَ الحياة الدافئة تحت سماء المشاعر ستَكون اليدَ التي تَصفعني فيَنزف خدَّا الروحِ..
موجِعٌ حتى البكاء أنني أَتألم ولا أَتكلم..
موجِع حتى البكاء أنني أَبْكِي ولا أحد يَبكي معي..
موجِع حتى البكاء أن أُبَلِّلَ وسادتي بالدموع، ثم يَأتيني منديل الحنين في وقت متأخر مُحَاوِلا أن يُجَفِّفَ الطوفانَ..
نافِذَةُ الرُّوح:
«ثَغْرُ الوردةِ الحزينة يُنَاجي إلاهَ الربيع لِيَصُبَّ فيه شيئا مِن ماء الحياة».
«عَنادِل شجرةِ الحُبّ أَضْرَبَتْ عن الغناء تَضامُناً مع الورد الذي أَتْلَفَ موسمُ الحزنِ لَوْنَه».
«عِطْرُ وردةٍ أكثر إثارة مِن قميصها الملائكي».
«هَل مِن الغيرة العادلة أَنْ تُحاسِبَ وردةً على عِطْرٍ تَمَدَّدَ إلى سِوَاكَ؟!».
«جَرِّبْ أنْ تَعيشَ بِدون وَرْدٍ لِتَتَعَلَّمَ دَرْسَ العِطر».
«في مَدْرَسَةِ الوَردِ أَوَّلُ درسٍ تَتَعَلَّمُه هو أنْ تُقَلِّمَ أَظافِرَكَ حتى لا تَجْرَحَ وَردةً».
«أَعْظَم البُكاء أن تَدْمَعَ الوردةُ عِطْراً».

بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير