كتاب وأراء

سبع سنوات لا تكفي لننتبه

يعول البشر عموماً، في الأحداث الوطنية الاستثنائية، والتي تشكل مفصلاً فارقاً في حياة شعب من الشعوب، على التضحيات التي يقدمها هذا الشعب، وعلى الخسائر المهولة التي يصاب بها أبناؤه، حتى لو كانوا متصارعين ومختلفين فيما بينهم، يعول البشر على تلك الخسائر باعتبارها القاسم المشترك بين الجميع، القاسم الذي يمكنه أن يعيد توحيد ما تفرق، ولملة ما انكسر وإعادة ترميمه قدر الإمكان، إذ سيكتشف هذا الشعب مع مرور الوقت أنه آيل للفناء إن لم تخرج منه مجموعة من الحكماء الذين يعرفون حق المعرفة أن لا بديل آخر غير التكاتف والتلاحم، كي لا يصبح الوطن وناسه في طي النسيان، فيجترعون حلولاً إسعافية تنقذ ما يمكن إنقاذه مؤقتاً، ريثما تتم عملية الترميم الأخيرة.
منذ بدأت الثورة السورية عام 2011، وما آلت إليه من حرب عبثية مجنونة، فتحت سوريا والسوريين على أبواب الجحيم الفعلي، والسوريون بمختلف انتماءاتهم، الدينية والعرقية والمناطقية والطبقية، يخسرون كل ما يملكونه، أرواحهم وأبناءهم وأحباءهم وممتلكاتهم وحاضرهم ومستقبلهم وماضيهم وأحلامهم وكراماتهم، لم يبق لهم شيء، من لم تفقده الحرب بيتاً أو رزقاً أفقدته حبيباً غالياً، ومن لم تفقده الرزق أو الحبيب أفقدته الأمل والكرامة والأمان، حولت الحرب سوريا إلى مكان لا يصلح للعيش، وحولتها إلى كعكة يتناهشها الجميع ويتقاسمونها، كما لو أنها لا أصحاب لها، ولا شعب عريق كان يعيش فوق ترابها، هذه الخسارة، خسارة الوطن ومحاولات تقسيمه وتفتيته من قبل دول عظمى يصدف أنها هي المافيات الحاكمة للعالم، هذه الخسارة كانت كفيلة بأن تعيد الوعي السوري الجمعي إلى السوريين، ليتفقوا على رؤية مشتركة لما حدث ويحدث، ويحددون المسؤولين عن هذا الخراب الكبير دون أي اصطفافات خارجة عن الاصطفاف الوطني السوري، الذي يضمن مستقبلاً سورياً مشرفاً لكل أبناء سوريا بكل فئاتهم، بعيداً عن الاستعلاءات الطبقية الفارغة، وبعيداً عن المظلوميات القديمة والحديثة، وبعيداً عن الاختلافات بكل أنواعها، والتي يمكن الانطلاق منها أصلاً لبناء مجتمع جديد وغني بتنوعه واختلافه.
غير أن سبع سنوات من الخراب يبدو أنها لم تكف لتعلمنا، نحن السوريين، كيف نستعيد قرارنا الوطني المفقود، ولا بلادنا المستباحة من الجميع، وحين أقول نحن السوريين أقصد الجميع، من كان في صف النظام أو في صف المعارضة أو خارجاً عن الصفين معاً، إذ لا قرار لسوري حالياً أياً كان موقعه، ونبدو كما لو أننا جميعاً بتنا أتباعاً أو مرتزقة لأطراف دولية تتنازع فوق أرضنا وعليها، لهذا نشمت بموت بعضنا البعض على أيدي الآخرين، ولهذا نطالب بإبادة بعضنا البعض، ولهذا نسترجع تواريخ من المظلوميات والأساطير والمرويات النابذة، ونغذي كتاباتنا ويومياتنا بكل أنواع الكراهية والحقد.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران