كتاب وأراء

ما يجمع

والناس مشغولون بالتعرف على صدقية بعض الأنباء، أو التأكد من صحّتها، من خلال بيانٍ رسميٍّ موثَّقٍ، وجدت نفسي أسرح في عوالم الأدب الكلاسيكي.
وحين أشير إلى هذا النوع من الأعمال الأدبية، يتبادر إلى ذهني على الفور: جهد مكتب جامعة دمشق في ترجمة ونشر هذه الروائع من الأعمال الإنسانية الخالدة، وتحديداً، جهد الراحل سامي الدُّروبي في هذا الخصوص.
من اطّلع على إصدارات هذا المكتب، ونعم بقراءة هاتيك الإصدارات، فلا شكّ أنه رسّخ في ذاكرته قِيَماً فنيةً ربطته بالمكان والزمان في تلك الأعمال الخالدة.
الذي نقلني إلى هذه الخاطرة هو: تعبير حساء الكرنب يعني «الملفوف» حسب تسميته في بلدان الشام، فأنت كنت تجد هذا الحساء، ماثلاً في كثيرٍ من الأعمال، بسبب ما يشيعه في الجسد من دفءٍ في صقيع روسية، وتصادفك تعابير واصطلاحات، لا تقرؤها إلا في تلك التراجم: الطوار، كؤوس الجعة، وغيرها.
ومع حساء الكرنب الذي نعمت به أمس في جو كندا الصقيعي، رحت أحلِّق مع جوركي، وتولوستوي، وديستويفسكي، وتورجنوف، وبوشكين، وتشيكوف، وغيرهم من القامات الإنسانية، التي أسهمت عبر التراجم العربية الرصينة لأساتذة مكتب جامعة دمشق، ومن سار على دربهم كأستاذنا إحسان عباس، الذي كان ينحت تعبيرات في لغتنا الجميلة، قل من يحسنها مثله، كما ورد في ترجمته لموبي ديك، رائعة هربرت ميلفيل، كلها أسهم في تشكيل الذائقة الفنية لدى كثيرين من أبناء جيلي في فترة التكوين، في حين أننا لم نُحرم من إبداعات عربية كلاسيكية نقلت لنا أجواء وعوالم عربيةً خالصةً في أرجاء وطننا الكبير، حينما كانت القاهرة تكتب، وبيروت تنشر، وبقية الحواضر العربية تقرأ.
لا شك أن الإنسان العربيّ المبتَلى بحاضرٍ محيِّرٍ تشغله الهموم، والاهتمامات المعيشية بحاجةٍ إلى جرعةٍ مثيلةٍ بإنتاج ما كان يعرف بالزمن الجميل، حيث ازدهرت المعارف، وتفتّّقت الأذهان والعقول على عصارات الفكر الإنساني:المحلي، والعالمي، وغردت القلوب بكل ما هو جميلٌ وممتعٌ ومفيدٌ.. فلقد عملت عواصف السياسة، والإحَن والخلافات، والاختلافات على تشتيت ذهن المواطن العربي، وطحنه في مسارات وتشابكات دروب المصالح المتضاربة، التي كان يجمعها في كيانٍ واحدٍ - ضمن ما يجمع-: الفنون والآداب، والذائقة الجمعية المشتركة.
ليتنا نعود فنعيش أياماً كتلك، حتى نرعى غرساً تمنينا له حياةً سعيدةً أفضل.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل