كتاب وأراء

عبور نحو التقارب والتعايش والسلام

إنَّ التفاعل والتواصل بين الأديان والثقافات ظاهرة إنسانية متأصلة في التاريخ الإنساني، إلا أنَّ العولمة بقدر ما ساهمت في التقارب بين الشعوب وانفتاح وتفاعل الأديان والثقافات على بعضها البعض، بقدر ما أدت إلى بروز النرجسية الحضارية والثقافية والتعصب الديني والانغلاق على الذات. ويبدو أن تجاوز المسافة بين خطاب حوار الأديان والثقافات وبين الواقع المؤلم المكرّس للعنف والتطرف والأحقاد وانسداد الآفاق، هي إحدى أهم الانشغالات المطروحة للنقاش، وعلينا أن نبدأ بترسيخ قيم الحوار والتسامح الديني والثقافي داخل مختلف التقاليد الدينية والثقافية وداخل مختلف الأنظمة التربوية، ليتحول بذلك إلى سلوكٍ فردي وجماعي داخل الأسرة، بين الأفراد، بين الجماعات وبين الأمم والشعوب.
قارئي العزيز، يُعدُّ مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان؛ المؤسَّسة الرائدة في دولة قطر المعنية بالحوار بين الأديان والثقافات، وبناء القدرات في مجال الحوار وثقافة السلام، فإنَّ الدولة مُمثَّلة في مركز الدوحة الدولي لحوار الاديان تؤمن أنَّ بناء الأمم يبدأ ببناء الإنسان، وهذا البناء يتم من خلال التعاون مع أخيه الانسان؛ لبناء مجتمعٍ قائمٍ على الاحترام المتبادل والعيش المشترك بوئام وتجانس مهما اختلفت الأديان والثقافات والأعراق؛ فكلنا لآدم وآدم من تراب. ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر ما لدولة قطر من ريادةٍ في مجال التقارب والتعايش والدعوة للسلام؛ وذلك ما أكسبها مكانةً عالميةً مرموقة، وجعلها واحدةً من دول العالم الأكثر تأثيرًا في مثل هذه القضايا، وفي كل ما يهم الأمن والسلم الدوليين.
وللحفاظ على هذه المكانة، يسعى مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان دائمًا لإيجاد وسائل متنوعة يرسِّخ من خلالها ثقافة الحوار، ويدعو للاقتراب من الآخر وفهمه، ولو كان بيننا اختلاف، وساعد في ذلك كون قطر بلدًا متعدد الثقافات والجنسيات، حيثُ يسعى المركز من خلال رسالته التي يقدمها؛ لحوارٍ بناء بين أتباع الأديان؛ من أجل فهم أفضل للمبادئ والتعاليم الدينية لتسخيرها لخدمة الإنسانية جمعاء، انطلاقًا من الاحترام المتبادل والاعتراف بالاختلافات، وذلك بالتعاون مع الأفراد والمؤسسات ذات الصلة.
وتتمثل رؤية المركز في أن يكون أنموذجاً رائدًا في تحقيق التعايش السلمي بين أتباع الأديان ومرجعية عالمية في مجال حوار الأديان.
إنَّ الحوار الثقافي الديني والثقافي عملية متعددة الأبعاد، وهي مسارٌ للبناء المستمر؛ يتطلب المثابرة والنفس الطويل، وينبغي علينا اليوم تطوير فلسفة جديدة ترسي لثقافة السلام والبحث عن أفضل السبل لكيفية التصرف بحكمة وتوازن أثناء التوترات والأزمات، بشكلٍ يؤدي إلى امتصاص العنف والحدّ من نزعات التطرف.
إنَّ البشرية جمعاء؛ تُعاني اليوم من ضياع القيم، والتباس المفاهيم، وتمرُ بفترة حرجة تشهد بالرغم من كل التقدم العلمي؛ تفشي الجرائم، وتنامي الإرهاب، وتفكك الأسرة، وانتهاك المخدرات لعقول الشباب، واستغلال الأقوياء للفقراء، والنزعات العنصرية البغيضة، وهذه كلها نتائج للفراغ الروحي الذي يعاني منه الناس بعد أن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولا مخرج لنا إلا بالالتقاء على كلمة سواء، عبر الحوار بين الأديان والحضارات.
إنَّ المهمة الأساس في مشروع حوار الأديان والثقافات؛ ليس الدخول في نفق السجالات اللاهوتية والأيدلوجية، وإنما العمل على تظهير كل القيم الإنسانية والحضارية التي تختزنها الأديان السماوية، وإعمال العقل وإطلاق حرية التفكير من أجل بناء نظام علاقات بين مختلف المجموعات الدينية؛ على قاعدة العدل والحرية وحقوق الإنسان.
علينا أن نعي أنَّ الانتماء الديني ليس مدعاةً للانتقاص من حقوق الإنسان أو فرصة للتقليل من حقائق ومتطلبات العدل والحرية، وعلينا كأفراد وحكومات أن نؤكِدَ من خلال أدوارنا ومواقعنا الهامة على أنَّ الحقوق مصانة للجميع، والفرص متاحة للجميع، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو القومية. إنَّ الاهتمام بحوار الأديان وتطوير موضوعاته ونقلها من حقل الأيديولوجيا واللاهوت إلى حقل الثقافة والإنسان، سيساهم في رفد الإنسانية جمعاء بالكثير من القيم والمبادئ والتجارب الروحية، التي تحد من غلو وتوحش المادة، وصولًا إلى بناء إنساني أكثر توازنًا وأكثر بُعدًا عن نزعات الطغيان والاستبداد والهيمنة!
إنَّهُ لا يُمكن لنا أن نُغلق آذاننا وأبوابنا عنِ الثقافة العالمية التي نعيشُها مع مدِّ الإعلام الجديد الذي جعل الكون قرية عالمية صغيرة؛ جسَّرَت المسافات الكبيرة بين أطياف الأديان والمذاهب والملل، وجعلت العالم أمام أمرٍ واقع؛ أمام حلّ التعايش السلمي الإيجابي، أو التناحر المُهلِك السلبي! إننا نحتاج إلى الآخر لنأخُذ منهُ ما يُفيدُنا ويعيننا على أمر ديننا ودنيانا؛ نأخُذ منه ما يتفقُ مع عقائِدنا وقِيمنا ومبادئنا وثوابتنا وأخلاقنا، حيثُ منَ الخطأِ أن نتهم كُل ما يَردُنا من الآخر على أنَّهُ غزو ونخر عقلي وديني ودنيوي؛ فهي ليست فاسدة في مجموعها، وفي الُمقابل نحنُ بحاجة ماسَّه إلى نشرِ تعاليم ديننا وتوجيهاته الساميَّة ليستفيدَ مِنها الآخَر، فإسلامُنا الحنيف الذي يُقِرّ بمبدأ الحرية الدينية؛ يُقِرّ كذلك بمبدأِ السَماحة الإنسانية التي تُؤكد حقوقَ المُحتاجين جميعًا في أن ينالوا المساعدة والعَون دونَ نظرٍ لعقائدهم المُختلفة عنّا.
وبوجهٍ عام؛ فالمجتمعات التي لديها حُكمٌ مُسبق عن الآخر من حيث المعتقد ومن حيث الثقافة سوف تُواجه الكثير من الصعوبات في إدراك الآلية المتناسبة لتحقيق منهجية يمكن من خلالها فهمها للآخر بشكل عميق وليس بشكل مسطح، ومِنَ الصعب تغيير موقف بعض المجتمعات لمجرد طرح ثقافة قبول الآخر، ومن هنا يأتي دور الباحثين والعلماء المتخصصين في مجال حوار الأديان في عالمنا المسلم المعاصر، فمن اليوم عليهم أن يعملوا جاهدين كي يُخرجوا مفهوم (فهم الآخر) من معناه النظري العقيم إلى شكله التطبيقي الملموس والمؤثر في جيلنا الذي يسكن القرية الكوكبية ويتطلع بنهم لسبر أغوار الظواهر الحياتية وعلى رأسها الظواهر الدينية العالمية ليتعرف عليها بجدية ووضوح، الأمر الذي يَفرِش الأرضية المناسبة لحياة الإنسان في هذا العالم شديد التعقيد والتداخل وَسَطَ بيئةٍ تحترم النزعات الإنسانية المختلفة دينياً، وذلك نحوَ بلورةِ مفهومٍ جديدٍ للتحضر والتعايش الإنساني العالمي.
لقد أصبح موضوع فهم الآخر؛ يستلزم بشكلٍ مباشر فهمه عقائديًا ودينيًا، كما أنّ فهمنا المباشر لمكنونات الثقافات والحضارات المتنوعة يُلزمنا في جانبٍ كبيرٍ منه على فهم خلفياتها الدينية وظروفها العقائدية السائدة في تلك الحقب جنباً إلى جنب باقي ظروفها المعيشية اقتصادياً وسياسياً وعلمياً وثقافياً وما إلى ذلك، كما أنّ العالم الذي أصبح اليوم قرية واحدة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي والشبكات الاتصالية المختلفة مهدَ لظهور علاقاتٍ افتراضية مع أبناءِ الكرة الأرضية (المختلفين) في كل شيء ومهد التقانة الجديدة لظهور نوعٍ خاص من التواصل والحوار الحضاري الديني الأمر الذي شكَلَ تحديًا أمام الكثير لسبر أغوار الآخر وفهمه بالشكل الموضوعي العميق لاسيما في مجال العقائد والأديان المعاصرة.
إنَّ العالمَ الذي نعيشُ فيهِ اليَوم؛ عالمٌ يقومُ على التعايشِ والتواصلِ وتبادل المَصالح والمنافع التي تقُوم عليها حياةُ الإنسان، وإنَّ مِن المُغالطة القول بإمكان حياةِ الإنسان في هذا العالم مُنعزلًا عن مُجتمعه المحليّ والدوليّ، ذلك المُجتمع الذي كتبَ اللهُ عليهِ أن يكون مختلفًا على مذاهب شتّى في الأديانِ والمُعتقدات وأساليبِ الحياة.
إعلامية وباحثة أكاديمية
جامعة قطر
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي