كتاب وأراء

قضايا ومعوقات تجديد الخطاب الديني (4)

غياب التفكير العقلاني النقدي
شاءت حكمة المولى تعالى وإرادته العليا أن يجعل في الأرض خليفة (إني جاعل في الأرض خليفة) اختار الإنسان، وافداً جديداً على الأرض، ووهبه أعظم نعمه، هو هذا العقل المدرك للحقائق والمميز للأمور، القابل للفهم والتعلم، القادر على الاكتشاف والإبداع و(علم آدم الأسماء كلها) ليقوم بوظيفة الاستخلاف في إعمار الأرض واكتشاف قوانين الكون وتحقيق الارتقاء العلمي والمعرفي، أداء للأمانة التي التزمها، دون سائر الكائنات (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان).. فاستحق مراسيم التحية والتكريم الإلهي، سجود الملائكة (ولقد كرمنا بني آدم)..
ومن هنا فإن أعظم امتنان وشكر للمنعم، جل وعلا، هو إعمال هذا العقل وتشغيله وفق منهج التفكير العقلاني النقدي الذي به حققت البشرية، قفزات نوعية، في تاريخها، وصولاً إلى الحضارة الحديثة.
التفكير العقلاني النقدي مغيب عن الخطاب الدعوي السائد، وهذا ما جعله خطاباً مكرراً، عاجزاً عن تحصين شبابنا الذين تمردوا والتحقوا بتنظيمات متطرفة وانقلبوا على أوطانهم وهلكوا، كما أنه عاجز عن عرض الإسلام عرضاً حقيقياً جاذباً، مما أسهم بشكل كبير في الموجة الإلحادية التي ظهرت في مجتمعاتنا، طبقاً للدكتور عمرو شريف.
أنتج غياب (التفكير العقلاني) عن الخطاب الدعوي، ظاهرتين:
1- شيوع مرويات حديثية وتراثية مناقضة للعقل والعلم وحتى للكتاب الكريم، في الخطب المنتشرة، التي تركز على استثارة العاطفة الدينية للجمهور، لا تنمية التفكير العقلاني الواعي الفاحص، الذي يتبصر ويميز ويوازن ويحصن، يستشهد الخطيب بمرويات، لا تستقيم مع منهج التفكير العقلاني ولا يكلف الخطيب نفسه في تمحيص هذه المرويات، فقد يصح الحديث سنداً ولكنه ضعيف متناً لمعارضته النص القرآني، أو مناقضته لحقائق العلم، أو مخالفته لبداءة العقول، والأمثلة على ذلك كثيرة، أفرد لها الشيخ محمد الغزالي رحمه المولى تعالى كتابه المشهور السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث وتراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل للتحذير من جناية هذه المرويات على العقل المسلم وتغييبها للتفكير النقدي العقلاني الذي ارتقى بالأمم.
2- الانشغال بالخلافيات المفرِّقة عن الأصول الجامعة وقضايا التنمية والتقدم وفهم قوانين الكون والحياة: استمع إلى الشيخ الغزالي، حزيناً: إنني أجزم بأن فلسفة الكون في القرآن الكريم بعيدة جداً عن أفهام قرائه، وأن جمهرة المسلمين لا تسمع من هدير الآيات شيئاً طائلاً! قرأت قوله تعالى (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين...).
يتساءل ساخراً: هل العرب والمسلمون من بين جمهور المخاطبين؟ هل الكلام يتناولهم مع سائر الناس أم هم مستثنون؟!
بم شغلنا؟!
بالجدل المحموم في غيبيات نهينا عن التقعر فيها، بتجسيم الخلاف الفقهي، وإيقاد الشرر منه... بالانصراف عن شؤون الدنيا.. هل يشعر المسلمون بأن لهم رسالة كبرى؟ ما إخالهم يشعرون! إنهم يعيشون في زوايا متواضعة متقاصرة من الأرض، ينظرون إلى التقدم الحضاري بعيون ناعسة، وينظر العالم كله إليهم نظرة استهانة! ربما أعطاهم شيئاً من العون المادي… وتصدق عليهم بشيء من العون الأدبي..
وماذا عن النفط العربي؟!
إن للنفط العربي قصة تبعث على الأسى والسخط، فإن مناجم هذا المعدن كثرت في بلادنا، بيد أننا كنا مشغولين عنها بشؤون أخرى جعلتنا نسرح بقطعان الضأن والمعز فوقها، دون فكر في استثارتها أو إرتفاقها!! إن الذي كشف هذه المعادن هم (الخواجات) أما نحن فكنا نتنازع: هل حديث التوسل صحيح أم ضعيف؟ هل كرامات الأولياء حق أم وهم؟ هل الحكم لبني هاشم أم لأسر أخرى؟
ماذا صنعنا بريع النفط؟
وعندما قام الأوروبيون بتصنيع النفط.. وحملته ناقلاتهم إلى أرضهم..أعطونا ثمن السلعة التي ابتدعوها..فماذا صنعنا به؟
ذهب أقله في خيرنا، وذهب أكثره في ضرنا!
أخيراً: غياب التفكير العقلاني النقدي، عن الخطاب الديني، وعن الخطاب العربي العام، أنتج ما نشكو منه اليوم من تأزم وفرقة ونزاعات وهدر للموارد والطاقات، لنعمل على إشاعة منهج التفكير العقلاني النقدي في مجتمعاتنا: نظمنا المعيشية وعلاقاتنا الاجتماعية.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري