كتاب وأراء

معرض «شموخ قطر»

الفن رسالة سامية ولغة عالمية تختصر المسافات وتقرب بين الحضارات والثقافات، هي الأكثر تأثيرا في المشاعر والأحاسيس، والأكثر ارتقاء بالذائقة الجمالية عند المتلقين، يذكي الشعور بالوطنية، وينمي الإحساس بالمسؤولية دون أن يغفل الترويح عن النفس، أو يتجاهل وظائفه الترفيهية.
ومن هنا يقع على عاتق كل فنان مبدع في مجال فنه مسؤوليات كبيرة تجاه وطنه ومجتمعه، وذلك من خلال نوعية ما يقدمه من إبداعات، من شأنها العمل على الارتقاء بحب الوطن وبوجدان وأخلاق ممن يتلقون عنه من إبداعات وآراء وأفكار وفن.
من هذا المنطلق كان «شموخ قطر» ذلك المعرض الذي شرفت بإنجازه لما يحمل من رسائل ويعزز من قيم المواطنة والشموخ بأن جعلت الرموز الوطنية التي نحتذي بها وفي مقدمتها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه موضوعات للوحاته، وشرفت بأن افتتحه سعادة الدكتور محمد بن صالح السادة، كما شرفت بكل من حضر حفل الافتتاح وزار المعرض خلال إقامته بفندق شيراتون الدوحة، فلهم مني كل الشكر وعظيم التقدير.
إن أزمة الحصار الجائر هي التي أوحت لي بفكرة المعرض، بعدما ظهر الشموخ القطري للعيان، وشهد به القاصي والداني، فرضت على كل فنان أن يعمل جاهدا لكي يجعل من فنه أداة تأخذ بيد المتلقي والمشاهد إلى آفاق وطنية وفكرية وثقافية وإبداعية راقية سامية.
في أثناء الأزمات دائما يجب على الفنانين الحقيقيين المبدعين أصحاب الفكر الراقي والرسالة السامية، ألا يتخلوا عن موقعهم في التصدي لمن يريد النيل من الوطن، خصوصا إذا كان الوطن هو «قطر الحبيبة» التي أعطتنا بلا حدود وإذا كان القائد هو «تميم المجد» الذي مكَّن لسيادتنا ورسَّخ أمام العالم كله شموخنا وعظمتنا.
الفن سلاح قوي وأداة فعالة، لأنه يثبت في الوجدان ولا يمحى من الأذهان، ويعشقه الكبار والصغار، وتهواه الروح البشرية بالفطرة لما يتمتع به من تفرد وأصالة وتميز، من هنا كانت الرسالة التي يحملها أقوى رسالة مفهومة لدى الشعوب ولوضوح تفسيراتها، ولكل شعب فنه الخاص، وله صبغه تختلف عما حوله، فهي اللغة العالمية التي يستطيع جميع البشر ترجمة معانيها، ورموزها وفك شفراتها.
وبمثابة القلب من الفنون يأتي الفن التشكيلي الذي يُعرَّف بحسب الباحثين والنقاد والمتخصصين فيه على أنه كل ما يؤخذ من الواقع الطبيعي، حيث يتم صياغته بطريقة جديدة، أي يتم تشكيله بشكل جديد ومختلف عما هو في الطبيعة، فلذلك يطلق عليه اسم تشكيل، حسب رؤية هذا الفنان الذي يقوم بأخذ أفكاره والمفردات التي يود تشكيلها من جديد من المحيط الذي يعيشه ووفق نهجه الخاص، وبكل تواضع هذا ما فعلته في معرضي «شموخ قطر» بدءا من الفكرة وانتهاء باللوحة الفنية كاملة جاهزة للمتلقي.
فكرة المعرض تركزت حول توثيق الشموخ القطري توثيقا إبداعيا، وقوة الرسالة جاءت من كون اللوحات قد اتخذت من الرموز الوطنية التي مكنت لهذا الشموخ موضوعا لها، وتبقى بعد هذا رصد الأحداث التي جرت في المجتمع خلال أزمة الحصار والاستعانة بالصور الفوتوغرافية والعناصر الأخرى التي لها دلالة الشموخ والقوة في تراثنا العربي كالخيول، أي أن الأعمال التي ضمها المعرض لم تكن وليدة اللحظة ولا الصدفة ولا الطيف العابر، وليس من باب المبالغة القول بأن الفنان أي فنان أثناء التحضير لعمل ما يتذكر جيدا أو ينصهر تماما مع فكرة أن الفن التشكيلي كنشاط إنساني يقوم على مخاطبة الحس والعقل، البصر والبصيرة، وتذكية المشاعر، واستثارة الهمم، ويضع نفسه موضع المتلقي المستهدف بقراءة اللوحة الفنية، وإبداعها، بهذا النشاط الفكري والثقافي، حيث يستخدم كلا من الإدراك والتخيل والتفكير العميق والتذكر المتجدد، وبالتالي يقرر كيفية التعامل مع الرسالة التي وصلته من القائم بالاتصال وهو هنا الفنان، وما ينتجه من جماليات في التذوق والحياة بشكل عام، عبر المحتوى المعرفي الذي تتضمنه الصورة.
وبما أني قد أوضحت فكرة المعرض وأهدافه ومراحل تنفيذه، يجدر بي أن أتناول الجانب البنائي، فاللوحة الفنية لا يتم إبداعها عفويا، وإنما تمر بعملية بنائية منظمة في آلياتها التقنية وتطبيقاتها الفنية بصرف النظر عن الخامة المستعملة من ورق أو قماش أو حتى زجاج تتم معالجتها تبعا للقواعد التقنية المعروفة لدى المتخصصين، حتى سطح اللوحة لابد أن يكون متناسقا في مقاييسه التقليدية المتبعة في صناعة اللوحة مع مضمونها ورسالتها، وهذه المسائل التقنية البحتة محكومة بلا شك بقدرة الفنان وموهبته وخبرته في عمليات تشكيل مجموعة المفردات والعناصر الفنية التشكيلية – التي هي الصور والخيول في معرض شموخ الوطن - فوق فضاء سطح اللوحة والمؤلفة من الخطوط والألوان والقيم الفنية من دسامة ونعومة وملامس والتوازن الشكلي واللاشكلي والانسجام والتوافق بين الهدف والمحتوى الموضوعي، ومراعاة النسب بين الكتلة والفراغ، الإيقاع والمنظور والوحدة العضوية لمجموعة العناصر المتآلفة في متن اللوحة، مستعيناً بمدارس فنية واتجاهات أكاديمية تقليدية أو حداثية أو تركيبية شيئية، قد تكون مادتها في عمليات الرسم والبناء والتعبير أقلام الرصاص أو الفحم أو الملونات المائية والزيتية بأنواعها المختلفة، لتترك في نفس المتلقي الإعجاب والرضا والمتعة البصرية والفكرية من محتويات اللوحة وحسن التوظيف وجمال التوظيف.
أتمنى أن أكون قد وفقت في تقديم فكرة حول رسالة الفن عموما والفن التشكيلي خصوصا، فضلا عن الدوافع التي كانت وراء معرض «شموخ قطر» وقد حاولت التبسيط قدر الإمكان في استخدام المصطلحات الفنية ما استطعت إلى ذلك سبيلا، مستعينة بما طالعت من كتب فاتخذت من الفن التشكيلي موضوعا لها، وما وقعت عليه من مقالات سطرها أهل الاختصاص.
بقلم: ريم العبيدلي

ريم العبيدلي