كتاب وأراء

سؤال الحرية في الغوطة

قبل أيام نشرت مواقع التواصل الاجتماعي شريطا مصورا لمظاهرة قام بها أبناء بلدة (كفر بطنا) في الغوطة الشرقية، كانت شعارات المظاهرة هي التالي: (ماعاد بدنا حرية بدنا وحدة وطنية)! تناقلته المواقع المؤيدة للنظام بوصفه انتصارا للنظام السوري وحلفائه، وتناقلته مواقع المعارضة وصفحاتها بوصفه دليلا جديدا على حالة الإذلال التي يمارسها النظام ضد الشعب السوري الذي ثار عليه قبل سنوات، خصوصا أن المظاهرة كانت تصور من قبل كاميرات الإعلام السوري الرسمي والمؤيد لنظام الأسد.
وبغض النظر عن وجهتي النظر، المؤيدة والمعارضة، في المظاهرة، فإن ما حدث خلال السنوات الماضية لأهل الغوطتين، الشرقية والغربية، كفيل بأن يجعل من مفردة الحرية مفردة ساقطة من القاموس اللغوي والقيمي للبشر، لن نعيد هنا ما تعرض له سكان الغوطتين خلال السنوات الماضية من قهر وإذلال وحصار واستغلال ومتاجرة وموت، إذ كتب الكثيرون عن هذا، ولم تبق وسيلة إعلامية، عربية وغربية، إلا وقامت بنقل ما حدث هناك، دون أن يحرك العالم ساكنا لإنقاذ سكان الغوطتين مما هم فيه، كان الناس هناك يموتون بكل أسباب الموت، وعلى الهواء مباشرة، وأمام أعين الجميع، ولم تهتز شعرة واحدة في ما يسمى الضمير الإنساني، لا العربي ولا العالمي، أما حكام وأنظمة العالم، فقد تحالفوا سرا وعلانية مع نظام الأسد على إبادة أهل الغوطتين، ببطء عبر الحصار، وبموت فوري عبر القصف المجنون والقنابل العنقودية وغاز السارين والكلور، تعامل الجميع مع أهل الغوطتين بوصفهم سقط متاع البشرية، وهو حال السوريين جميعا على كل حال، لكن وضع الغوطتين كان الأكثر مأساوية، لأن التعامل معه كان أكثر شراسة وعنفا.
بالمقابل، لم تفعل المعارضة السورية شيئا لإنقاذ الناس هناك وللحفاظ على كراماتهم، سوى المزيد من التشكي من إجرام النظام، والمطالبة بالتسليح الذي كان وبالا على الثورة وعلى سوريا وعلى الغوطتين بشكل خاص، الكتائب الجهادية التي تشكلت بفعل التسليح، ومنها جيش الإسلام، واحتماء المسلحين بالمدنيين، أعطى الذريعة المناسبة تماما للنظام وحلفائه لإبادة الغوطة تحت شعار القضاء على الإرهاب، وأعطى العالم الذريعة لإشاحة وجهه تحت نفس الشعار، وعدا عن الذريعة فإن سلوك هذه الكتائب مع سكان الغوطتين، لم يكن مختلفا عن سلوك النظام إلا بالتفاصيل اللوجستية، اعتقلوا وعذبوا وخطفوا وقتلوا واحتكروا الغذاء والدواء وعقدوا الصفقات المشبوهة، باختصار، كان مدنيو الغوطتين من نساء وأطفال ورجال، هم ضحايا الجميع، هم أولا، ضحايا الأفكار والمزاودة الثورية لمن هم خارج سوريا، أولئك الذين يعيشون هم وأبناؤهم في الأمان الكامل، ويطالبون أهل الغوطتين بالصمود، محملينهم أفكار الثورة والحرية، دون أن يخطر ببال أحدهم سؤال واحد عما يهم الغوطيين أكثر: حياتهم أم الحرية؟!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران