كتاب وأراء

قميص الكعبة المعلق «2»


بين شيخوخة الأمس وشيخوخة اليوم آهات تَتمدَّد وابتسامات تَتَبَدَّد، بينهما حرقة وشجن وذَيل يَجلد كالزمن، بينهما ذكريات لا تُنسى وحنين يَصرخ وقلوب تَبكي مهما أعلنَتْ دموعُها حربَ العصيان.
عن كل هذا تُحدثنا معلقة زهير بن أبي سلمى بلسان الإيحاء لا لِتَعقد المقارنة إنما لِتُرَبّينا على عادة التأمل، وجرعات التأمل تُحْيِي لا تَقتل.
الشيخوخة حُمَّى، لا تَتركك إلا بعد أن تُخْرِسَ صوتَ الحياة في جسدك، وكان زهير واحداً من رجال ذلك الزمن الذين يَقهرهم الزمن قبل أن يَعرف الناسُ طريقاً إلى عَطَّار اليوم بوزرته البيضاء.
عَطَّار اليوم يحاول جاهداً أن يُنقِذ ما يُمكن إنقاذه، وأن يُصلِحَ ما أفسدَه الدهر، وأن يُعيد شيئاً من الاعتبار إلى مؤسسة الجسد قبل أن تتداعى جدرانها وقبل أن يتعرض حَجر الأساس فيها للهشاشة.
ولا غرابة أن يَملك عَطّارُ اليوم الحلولَ السريعة لردم فجوات العيوب، مِن لؤلؤ الثغر المتهالِك إلى عدسات العيون التي تَسمح للشمس بأن تَطلع في منتصف ليل العمر، إلى ما شئتَ من حِيَل تشخيصية تُجَرِّبُ أنتَ بها أن تُعَدِّلَ وضعَ هَرَم العُمر المقلوب.
أبيات زهير بن أبي سلمى بما تَضَمَّنَتْه من حكمة صنَّفَتْه في خانة الشاعر الحكيم، نعم، هو حكيم الشعراء الذي رضع الحكمةَ مِن قلب الحرب الدائرة في زمن داحس وقد امتدت أذرعها وسيقانها لِتَقبض على سنوات من عمر الزمن العربي.
الحكمة بيتُ القصيد، والمعلَّقَةُ الحكيمةُ جاءت تتويجاً للنصر المحقَّق الذي وضع حدّاً للدماء الرشاشة بين فريقي المتخاصمين، ومن هنا أعاد زهير بن أبي سلمى ترتيب الشَّعر، شَعر الحياة، حياة ما بعد الحرب، بترتيب أبيات الشِّعر، شِعر الحكمة.
شِعر الحكمة الذي تَصَدَّر مهرجان الحَرف هو الشِّعر الذي بايَعَتْ فيه شياطين الشِّعر وملائكتُه الشاعر زهير بن أبي سلمى أميراً للحكماء، ورفعَتْهُ على عرش الكلمة الحكيمة التي لا تَسقط.
زهير ينظم مُعلقتَه لِيُمَجِّدَ زمن الصُّلح وأهلَه، وبِعَصا حكمته التي لا يَتمرد عليها صوتٌ رَدَّ زهير الاعتبار لِصَرح السِّلْم المنهار:
«وَقَدْ قُلْتُمَا: إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعاً
بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْقَوْلِ نَسْلمِ
فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِنٍ
بَعِيدَيْنِ فِيهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثمِ
عَظِيمَيْنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيتُمَا
وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزاً مِنَ الْمَجْدِ يَعْظُمِ»
[معلقة زهير بن أبي سلمى].
ويَمضي شاعر الحكمة في تفجير يَنبوع الحكمة مُوصيا بالوفاء ومُحَذِّراً من العواطف الْمُقَنَّعَة التي يَحكمها قانونُ الغدر:
«فَلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ ما في نُفُوسِكُمْ
لِيَخْفَى وَمَهْما يُكتِمِ اللهُ يَعْلَمِ
يُؤَخَّرْ فيُوضَعْ في كتابٍ فَيُدَّخَرْ
لِيَوْمِ الحِسابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ»
[معلقة زهير بن أبي سلمى].
الوصية والدعوة إلى إصلاح النفس عنوانان عريضان يُتَوِّجان مسارَ رحلة التأمل في شعر زهير أبي سلمى:
«وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ
عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْروفَ في غَيْرِ أَهْلِهِ
يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمّاً عَلَيْهِ وَيَنْدَمِ
وَمَنْ لَمْ يَذُذْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ
يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُوّاً صديقَه
وَمَنْ لم يُكَرِّمْ نفسَه لم يُكرَّمِ
ومهما تَكُنْ عند امْرئٍ مِن خليقةٍ
وَإِنْ خالها تَخْفى على الناس تُعْلَمِ
لسانُ الفتى نِصفٌ ونصف فؤادُه
فَلَمْ يَبْقَ إلا صورةُ اللحم والدمِ
سَأَلْنَا فَأُعْطينا وعُدْنا فَعُدْتُمُ
ومَنْ أَكْثَرَ التسآلَ يَوْماً سَيُحْرَمِ»
[معلقة زهير بن أبي سلمى].
دروس في فلسفة الحياة يَكتبها زهير بِحِبر اليقين، يَكتبها لِيُعلمك إياها أنتَ القابع بعيداً عن حَدّ سيف التجربة.. وما التجربة سوى زاد الباحث عن الحكمة في مختبر الحياة.
خبرةُ زهير يُقدمها هو لك في طبق فاخر يُسمى الشِّعر، وشِعرُكَ هذا لا يَزيدكَ إلا تلذذاً بالرغبة في الكشف والتجلي ما أن تتسلَّقَ أنتَ المعلَّقة.
صَدِّقْ يا صديقي أنك لن تَتسلق المعلقة إلا وأنتَ تُمَنِّي نفسَكَ بالقفز إلى داخل البيت بعد فشلكَ في العثور على باب، ذاك بيتُه الشعري الذي يَقول ما لا يَقولُه كِتاب.
مصباح الحكمة في معلقة زهير يَتصبب ضوءاً لِيهديك سُبُلَ الرشاد والفلاح لا لِيُعميك عن رؤية منعرجات الطريق، طريقك أنتَ السالِك لِنَفَق المهالِك.
دنيا هي، دنيا تُمَنِّيكَ ولا تُعطيكَ إلا بعد أن تَمتَصَّ هي آخرَ قطرة دَمٍ فيكَ. تتصبب عَرَقاً أنتَ الذي تُنازِلُ حصانَ نفسك في معركة الحياة، فإما أن تَربحَ المعركة، وإما أن تَخسرَ نفسَكَ.
بشعر زهير الحكيم تَخوض أنتَ التحدي، تُراهن على الحياة التي يَكشف لكَ زهير أوراقَها قبل أن تَبيع نَفسَك قربانا لها أنت الراحِل عن مُدُن السكينة لِتَلتحقَ بقبرك قبل الموت بمراحل.
مِن حُبِّ الحكمة إلى حكمة الحُبّ نتعلَّق بحبال الشعر مرة أخرى لِنُرابط في مَعبد القلب.. القلب صومعة يُؤذن فيها صوتُ عصافير الحُبّ التي يَطيب لشاعر من معدن نفيس يُضاهي معدنَ عنترة بن شداد أن يَجمعَها حوله.
عنترة بن شداد يَعصر شهدَ الحُبّ، ويُجفِّفُه كِسرةً كسرةً لِيَنثره حَبّاً في حضرة عصافيره التي تَحطّ على كتفي حبيبته عبلة كلما تَقاطَع مع ظلها ظِلُّه المارّ من هنالك:
«يا دارَ عَبْلَةَ بالجَواءِ تَكَلَّمِي
وعِمِي صباحاً دارَ عبلةَ واسْلَمِي»
[معلقة عنترة بن شداد].
في معلَّقة عنترة بن شداد قصة حُبّ أسطوري يُخَلِّدُه العاشقُ بِدَم الحروف.. إنها الحروف التي تُغَنِّي بلغة الوَرد، وتَرقص بلغة النسيم الحالِم، وتَستلقي على ظهرها بلغة قصيدة الماء التي يَكتبها شلاَّل خَبَرَ صعودَ الجِبال ودَأَبَ على التدحرج نازلاً بسرعةِ الجاذبية التي تُمْلِيها عقيدةُ الطبيعة.
سَلاسةُ الماء النازِل لا تُذَكِّر إلا بسلاسة ماء الشِّعر وهو يَنزلق راكعاً لِحُكم مُلهِمَته عبلة، عبلة تلك التي عَلَّمَتْ عنترة كيف لِبِساط الحُلم بالفوز بامرأة مِن عيارها يَركَع الرجال في غير زمن الذُّلّ الذي يَركَع فيه الرجال خضوعا لِمَن يَسودُهم سَوْطاً.
«هَلاَّ سَألْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالك
إنْ كُنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي»
[معلقة عنترة بن شداد].
فكيف تَغيبُ الشمسُ ولا تَغيب عبلة؟!
وكيف يَنحسر ضوعُ الورد أوانَ الذبول ولا تَنحسر رائحةُ الأنوثة المشتعِلة رغبةً في إرضاءِ عَبْدٍ يَذوبُ قُبالَتَهُ الجَمالُ وتَضمر قُدَّامَه عضلاتُ تاء التأنيث إنْ هو عن عينيها غابَ قمرُه وأجَّلَ موعدَ اللقاء وتَركَ النجومَ وصيفات يَغْبطن عبلة على حُمْرَة الخَجَل في مُحيَّاها كلما ضَوْءُ القمر حَيَّاها؟!
[لنا موعد بإذن الله].
بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير