كتاب وأراء

لسان العرب

في هذا المعجم لا نورد إلا الاشتقاقات التي نحتاجها من كل جذر لغوي، ومعاني الكلمات التي نستعملها في حياتنا اليومية، ونترك الاشتقاقات الأخرى ومعاني الكلمات غير المألوفة للمعاجم القديمة، ولا غنى عنها لدارسي اللغة والأدب والشعر.
سدّ الزجاجة والجرّة والثغرة: أغلقها، والثغرة: الفتحة، ومنها سميت المدن التي على الأطراف، وتلي دار الحرب. وسَدَّد سهمه إلى المرمى: وجَّهه، وفي التدريب العسكري: سدد إلى الهدف: وجه سلاحه بدقة. ونعرف السداد في الرأي وهو الصواب، والرأي السديد: الموفق المتقن. وتدعو لأحد فتقول: اللهم سدِّد خطاه. ونعرف السدّ وهو ما يحجز الماء، ثم استعير لأمور أخرى: فوقف سداً منيعاً في وجه أطماعهم. وكل ما أغلقت به سِداد، ويقال: فيه سِداد من عوَز.
ولكن ماذا يعنينا من القول: السَدّ ما بناه الإنسان، والسُد ما وجد خلقة؟ والسُد جمعها سدود وهي السَّحائبُ السُّود. وماذا يعنينا من أن السُد ذهاب البصر؟ وأن السُدَّة داء بالأنف لأنه يسده؟ وأن السادَّة هي الناقة الهرمة؟
نقرأ ونسمع في الأخبار كلمة «العاهل» كثيراً: العاهل السعودي، العاهل المغربي، العاهل الأردني وهكذا، ونبحث عن معنى الكلمة فنجده «العاهل: الملك الأعظم كالخليفة» أي ربما لا تطلق التسمية على كل ملك، ولكن ماذا يهمنا من أن نعرف أن العاهل «المرأة التي لا زوج لها» دون أن يوضحوا لنا: هل هي عانس أم مطلقة أم أرملة؟ وماذا يهمنا أن نعرف أن «العَيهَـل» الريح الشديدة؟ أوأنها أيضاً المرأةُ الطويلةُ؟ وأن «العيهل»: الرجل لا يستقر نزقاً، يتردد إقبالاَ وإدباراً، وأن «العيهل» الذكر من الإبل، وقالوا: لا حاجة للقول: جمل عيهل. ويقال: امرأة عيهل وعيهلة، ويقال: امرأة عيهلة وناقة عيهلة، ولكنهم زادوا أن المرأة عيهل، وأن الناقة عيهلة. وأن العَيهَلة: العجوز المسنة؟
وقبل هذا كله أن العيهل والعيهلة والعيهول والعيهال: الناقة السريعة، أوالنجيبة الشديدة، أو الضخمة العظيمة، أوالطويلة، ولكل من هذه الكلمات شواهد من الشعر العربي.
إذا وجدنـا الجذر «حصر» فـماذا نتذكر؟ نـتذكر «الحصار» الذي يُفرض على بعض المدن والمناطق، ومنه محصور أو مُحاصَر ومحاصِر، ونتذكر أيضاً «محصور» وهو الذي يلح عليه البول، واشتقاقات أخرى من فعل «حَصَر». لكن في اللغة اشتقاقات كثيرة لم نعد نستعملها.
منها أن الحَصَر (بفتحتين): ضيق الصدر، ولكن بماذا يهمنا أن نعرف أن الحَصَرَ هو البُخلُ، وقد حَصِرَ، إِذا بَخِلَ؟ وأن الحصِر (بكسر الصاد) كَتُومٌ للسر حابس له لا يبوح به؟ وأن الحَصور الهيوب المُحجِم عن الشيء، ومنه الحصور الذي لا إربة له في النساء، وقالوا: هو الذي يشتهي النساء ولكنه لا يقربهن. وأن الحصير هو الجنْب؟
الحصْر(بسكون الصاد): التضييق، يقال: حَصَره يحصُره حَصْراً، فهو محصُور: ضَيَّق عليه، أو هو الحَبْس، يقالُ: حَصَرتُه أي حَبَستُه. وقد نعرف أن الحَصَر هو العِيُّ في المَنْطِقِ تقول: نعوذ بِك من العُجْب والبَطـَر، ومن العِيِّ والحَصَر. ونعرف الحصار وهو أن يطوق جيش ما مدينة أو قرية من الجهات كلها، فيمنع الخروج منها والدخول إليها. نتذكر «الحصيـر» الذي كان يمد في البيوت (ولعـله ما زال يسـتعـمل بمواد جديدة) والجمع «حُصُر» والعامة يقولون «حِـصِر» ولكن هل يهمنا أن الحصير عِرْقٌ يمتد على جنَب الدابة إلى ناحية بطنها؟ وأنه لحمة ما بين الكتف والخاصرة؟ وأوجع الله حصيريه إذا ضُرب ضرباً شديداً. وهل يهمنا أن نعرف أن الحصير هو الملك لأنه محجوب عن الناس؟ أو أن الحصير هو السجن، ويقال: هذا حَصِيرُه، أي محبسه وسجنه، قَالَ الـلـه تعالى «وجَعَلنا جهنَّم للكافِرين حَصِيراً» أي سِجناً وحَبْساً. أو أن الحصير هو المَجلِس، أَي مَوْضِع الجُلوس، والحَصِير هو الطريقُ، والحَصِيرُ: الماء. والحَصِيرُ: الصَّفُّ من الناسِ وغيرِهم. والحصِيرُ: وجهُ الأرض، قيل: وبه سُمِّي ما يُفرَشُ على الأَرض حَصِيراً، الحَصِيرُ: ثوب مزخرف منقوش موشّى. والحصير: الضيّق الصدر. بماذا يهمنا هذا كله ومعه اشتقاقات أخرى من الجذر «حصر»؟
نبحث في الجذر «حبر» فماذا نجد؟ الحِبْرُ (المداد): الذي يكتب به وموضعه المِحبرة، ونتذكر «الحبر» بفتح الحاء، والحِبْرُ والحَبْرُ واحد أحبار اليهود، وجمعه أَحْبَار وحُبُور، وعلى ذكر الحبور نتذكر أنه السرور والفرح، ولكننا لا نهتم إلى أن
»كل ما حَسُنَ من خَطٍّ أَو كلام أَو شعر أَو غير ذلك، قد حُبِرَ حَبْراً وحُبِّرَ» وكان يقال عن عبد الـلـه بن العباس رضي الـلـه عنهما إنه «حَبر» الأمة، ونكتشف أن كسر الحاء أقوى من فتحها فهو «حِبر وحَبر» ولكن ماذا يهمنا من قولهم حَبَرَني هذا الأمرُ حَبْراً أَي سرني، ومنه الحابُورُ: وهو مجلس الفُسَّاق؟ وأن الحَبْر والحَبْرة: النِّعمةُ؟ وأن اليَحْبور: الناعم من الرجال، وجمعه اليَحابيرُ مأْخوذ من الحَبْرَةِ وهي النعمة؟ وأن قولنا: ثوب حَبِيرٌ: أي جديد ناعم؟ وأن الحَبير هو السحاب؟ وأن الحِبَرَةُ، والحَبَرَةُ: ضَرْبٌ من برود اليمن ويكون مخططاً؟ ونعرف الحِبر (المداد) ولكن هل يهمنا أنه الوَشْيُ؟ وأن الحِبْر والحَبَر والحبار: الأَثرُ من الضّربة إذا لم يدم؟ ومنه رجل مُحَبَّرٌ إذا أَكلت البراغيث جلده فصار لها آثار في جلده ويقال: به حُبُورٌ أَي آثار. وماذا يهمنا أن نعرف أن الثوبَ الحَبيرهو جديد؟
وهل يهمنا أن نعرف أن الحِبر والحَبر والحَبْرَة والحُبْرَة والحِبِرَةُ: صُفْرة تَشُوبُ بياضَ الأسنان؟ والعرب يضعون لكل شيء اسماً لذا قالوا: أَوّله الحَبْرُ وهي صفرة، فإِذا اخْضَرَّ، فهو القـَلـَحُ، فإِذا أَلَحَّ على اللثة حتى تظهرالأسناخ، فهو الحَفَرُ والحَفْرُ.
وثمة اشتقاقات كثيرة لا أظنها تهم أحداً الآن مثل: حَبِرَت الأرض، وأحبَرَتْ، والحَبَارُ: هيئة الرجل، والحُبْرَةُ: السِّلعة تخرج في الشجر أَي العُـقـدَةُ تقطع ويُخرَطُ منها الآنية. وربما نتذكر طائر الحُبَارَى يقع على الذكر والأُنثى، واحدها وجمعها سواء. وحِبرٌّ (بتشديد الراء): اسم بلد، وكذلك حِبْرٌ. وحِبْرِيرٌ: جبل معروف.
أعجب حتى الذهول: كيف كان العرب يقرؤون قبل أن يضع لهم الدؤلي وتلاميذه النقاط والحركات؟ أتذكر حكاية قصيرة من «أخبار الحمقى والمغفلين»: حدث أحدهم: مررت بشيخ يقرأ: ولـلـه ميزاب السموات والأرض، فقلت: يا شيخ ما معنى هذا؟ قال: هذا المطر الذي نراه، فقلت: يا هذا إنما هو«ميراث السموات والأرض» فقال: اللهم اغفر لي، أنا منذ أربعين سنة أقرؤها، وهي في مصحفي هكذا.
قالوا لسعيد بن هشيم: لو حفظت عن أبيك عشرة أحاديث لجاءك الناس ليسمعوك، قال: شغلني القرآن عن ذلك، ثم سألني: جبير كان نبياً أم صديقاً؟ قلت: من جبير؟ قال: قوله عز وجل: واسأل به جبيراً. قلت له: يا غافل، زعمت أن القرآن شغلك. (59 سورة الفرقان: فاسأل به خبيراً).
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين